ما هي أسباب انتكاسة المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة؟ – إرم نيوز‬‎

ما هي أسباب انتكاسة المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة؟

ما هي أسباب انتكاسة المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة؟

المصدر: محمد رجب – إرم نيوز

أجمع مبدعون تونسيون في تصريحات خاصة لــ“إرم نيوز“، على أنّ الثورة التونسية، وبرغم مرور ستّ سنوات على هروب الرئيس المخلوع، لم تؤثر إيجابيًّا في الفعل الثقافي الذي شهد ”انتكاسة“ على خلفيّة التناول السطحي للواقع التونسي اليوم،  بعيدًا عن مناويل ثقافية جديدة قادرة على الدفع بالشأن الثقافي إلى الأمام.

ويعزو المثقفون التونسيون، ما اعتبروها ”انتكاسة“ إلى أنّ السياسيّ يعيش (رهابًا) من كل فعل ثقافي، وهو ما ”يعكس خلفيّته المفرغة من أدنى تصوّر ثقافيّ، والنّتيجة هي أنّ الثّقافة والسّياسة عندنا يظلاّن مجرّد نسقين مفقّرين.“.

انتكاسة حقيقية

وأكد المدير السابق للمسرح الوطني التونسي أنور الشعافي، أنّ الجانب الثقافي بالخصوص شهد انتكاسة حقيقية، فلا بدّ من مسافة زمنية معينة حتى يستوعب المبدع، وفي جميع المجالات، حقيقة ما حدث ويعبر عن ذلك بطريقة بعيدة عن السائد الذي اعتدناه، وبالتالي لا يمكن مقارنة الجديد بالقديم، فلا بد من مناويل وتوجهات جمالية جدية قادرة على التعبير عن  المرحلة التي نعيشها من تاريخ تونس.“.

وأوضح الشعافي في تصريح لــ“إرم نيوز“ أنّ ما شهدته تونس من منتوج ثقافي ”ما هو إلا نقل سطحي ومباشر للواقع الجديد دون رؤية عميقة لواقع الأمور، واستشراف لما يمكن أن يكون، فالواقع اليوم، أعتبره أقوى بكثير مما تمّ التعبير عنه، وبالتالي أؤكد أنّ عملية استنباط أدوات جمالية جديدة تتطلب بعض الوقت، حتى يستوعب المبدع الواقع ويعبّر عنه بطريقة فيها الكثير من الإبداع والتجديد.“.

فعل الحرية وزخم الإنتاج

وحول تأثير الحرية التي تنعم بها تونس ما بعد الثورة، على العمل الثقافي، اعتبر الشعافي، أنّ هذه الحرية ”لئن منحتنا زخمًا من الإنتاج، لكنه لم يعكس واقعنا“، مضيفًا ”نعم ساعدت على تطوير الخطاب السياسي والإعلامي، لكنها في ذات الوقت، سحبت البساط من المجال الثقافي لأن أغلب ”المبدعين“ كانوا يعتاشون من حالة الرقابة التي كانت سائدة ما قبل الثورة، فكثير من الأعمال اكتسبت شهرتها من هذا الجانب، أما الآن فأعتقد أنّ البساط قد سُحب من الفنان لصالح السياسي والإعلامي، وبالتالي لا بدّ من صياغة مناويل إبداعية جديدة للتعبير عن الحالة الاجتماعية الجديدة“.

صياغة مشروع ثقافي

من ناحيته، أكد الناقد الأدبي الطاهر أمين، أنه ”يفترض القدرة على رسم خطّ بيانيّ للمسألة الثّقافيّة في تونس على امتداد ستّ سنوات أعقبت ما اصطلح على تسميته بـ“الثّورة“، التي تظلّ مفهومًا إشكاليًّا في السّياق التّونسيّ والعربيّ، لذلك أفضّل تسمية ما جرى بـ“الحدث التّونسيّ“ تماهيًا مع المغربيّ كمال عبد اللّطيف. الثّابت هو أنّنا ما زلنا خارج القدرة على صياغة مشروع ثقافيّ يملك الحدّ الأدنى من الوضوح طالما أنّ المسألة الثّقافيّة لم تطرح بعد على بساط النّقاش الجدّي والعلنيّ، منذ بناء الدّولة الوطنيّة إلى اليوم (نستثني محاولة وزير الثّقافة البشير بن سلامة سنوات 1981 – 1986 التي قام الحبيب بورقيبة بإجهاضها)، وبالتالي لا يجب أن نسقط من التّحليل علاقة الالتباس بين السّياسيّ والثّقافي، حيث لا يزال جهاز الدّولة يصرّ على الإدماج القصريّ للمثقّفين وهو ما حدث زمن بورقيبة وبن علي.“

ويضيف أمين في تصريح لــ“إرم نيوز“: ”في مقابل ذلك، لا تزال غالبيّة المثقّفين أسيرة رغبتها في الاقتراب من السّلطة، فما نلاحظه خلال السّنوات الستّ الأخيرة، ازدياد حجم الكتابة السّياسيّة التي تطرح الكثير من قضايا الواقع التّونسيّ، وهي كتابة يمكن أن نعتبرها مقاربة ثقافيّة بمعنى ما، مشكلة هذا النّوع من الكتابة هي غلبة الطّابع النّظريّ التّجريديّ أكثر من الانشغال بالبرامج وبالفعل السّياسيّ.“.

خطابة السّياسة وثقافة الخطابة

ويعتبر الطاهر أمين، أنّ ما جرى منذ ستّ سنوات يقدّم لنا مؤشّرًا هامًّا، يتمثل في أنّ ”الثّقافة تزداد انخراطًا في السّياسيّ، وأنّ السّياسة تزداد انفتاحًا لتصبح ذات عمق ثقافيّ. هذا المؤشّر رغم أهمّيته لم يقدم بعد إلى الوعي العميق بالحاجة إلى جبهة ثقافيّة بوصفها مقدّمة لإصلاح الفساد السّياسيّ الذي يقذف بالمجتمع في الشّلل الكامل.“.

لم يصبح المثقّف سياسيًّا حقيقيًّا بسبب ازدواجيّته التي تدفعه إلى الفصل بين النّظريّة والممارسة. في المقابل، لم يصبح السّياسيّ مثقّفًا حقيقيًّا بسبب عدم حرفيّته (لنقل انتهازيّته) التي تعكس خلفيّته المفرغة من أدنى تصوّر ثقافيّ. النّتيجة هي أنّ الثّقافة والسّياسة عندنا تظلاّن مجرّد نسقين مفقّرين. وهي نتيجة لا تسمح للمثقّف قبل السّياسيّ بإعفاء نفسه، ذلك أنّ الثّقافة تظلّ تجاوزًا للسّياسة. إنّها مشروع مستقبليّ بالأساس. ستّ سنوات كاملة ونحن غرقى خطابة السّياسة وثقافة الخطابة معًا.

أحلام لم تتحقق

أما المخرج المسرحي منصور الصغير، فقد اعتبر أنّ الثورة لم تساهم في تطوير الأداء الإبداعي لا لشيء إلّا لأنّ القائمين عليها لم يفهموا أهمية الثقافة وقدرتها على نحت المجتمع الذي نريد، من خلال إصلاح ما علق به من أدران وفساد.

وأضاف الصغير، في تصريح لــ ”إرم نيوز“، أنّ السياسيين لم يفهموا معنى الثورة حتى أنهم زرعوا اليأس في صفوف الشعب التونسي، الذي كان يحمل أحلامًا وآمالًا كبرى لم يتحقق منها شيء بعد مرور ستّ سنوات على هروب الرئيس المخلوع في يناير 2011.

وقال: “ أنا أشرف على جمعية مسرحية منذ سنوات، كنّا قبل الثورة نحصّل على دعم مالي عن كلّ إنتاج مسرحي، ولكن بعد الثورة ألغي هذا الدعم الذي يساعد الفرق الهاوية والمحترفة،على تطوير أدائها، من خلال تطوير النص المسرحي والديكور والأضواء، وغيرها، وعندما تقطع هذا الدعم الأكيد أنّ عددًا من الجمعيات المسرحية الهاوية ستتبخّر، والجمعيات المحترفة سيتقلص إنتاجها، وهذا ما حصل فعلًا.“.

وأشار إلى أنه أنتج مسرحية بعنوان ”شيّر شار“ تحصلت على الجائزة الكبرى في مهرجان مسرحي بالدار البيضاء في المغرب، إلى جانب ثلاث جوائز في مهرجان بجنوب الجزائر، وكذلك فازت بجوائز في تونس، ورغم ذلك لم يحصل هذا العمل المسرحي الرائع على دعم من وزارة الثقافة، بينما سابقًا كانت كلّ مسرحية تتحصل على دعم لسنتين.

واقع الثقافة اليوم

وحول واقع الشأن الثقافي في تونس اليوم، أكد المخرج المسرحي منصور الصغير، أنه غير راضٍ عن الحالة التي وصلت إليها الثقافة ما بعد الثورة، مشددًا على أنه انتظر  الكثير ولكنه لم يجنِ سوى الحرية والديمقراطية، وهي عامل إيجابي جدًا لأنّه لم يعد بإمكان وزارة الثقافة أن ترفض مسرحية ما وتحكم بعدم عرضها، فالقانون هو الفيصل“، مستدركًا ”الحرية مهمة جدًا لأنه بدون حرية لا يمكن أن تبدع، ولكن الحرية لوحدها لا تكفي..“.

من جانبه، شدّد مدير المسرح الوطني السابق أنور الشعافي، على أنّ ”الفنان ما زال يبحث عن نفسه، وعن أية جماليّة يقدم في أعماله، وعلينا أن ننتظر حتى تنضج إبداعاتنا، لأنّ ما يحصل اليوم هو انعكاس ساذج عبر بعض الأعمال للواقع الذي نعيش، وهذا يفسر هروب بعض الأعمال السينمائية إلى أشياء أخرى، وهو ما نشاهده في شريط ”حبّك هادي“ مثلًا.“.

أما الطاهر أمين، فقد ختم حديثه بالتأكيد على أنّ ”واقع الثّقافة يزداد سوءًا سنة بعد أخرى. هذا لا يعني أنّها كانت أفضل زمن بن علي أو زمن بورقيبة، اليوم، نكتشف أنّ أزمة الثّقافة ليست أزمة بدائل كما يتوهّم مثقّفونا عندما لا يكفّون عن مطالبة وزارة الثّقافة بإيجاد حلول لقطاعات معيّنة وفق مجالات تخصّصهم، بل هي محصّلة لأزمة المجتمع بأسره، أي لانهيار دورة الإنتاج المحلّي الذي جرى استبداله بنموذج الاستهلاك.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com