ما هي قصة مخطوط ”عباس باشا“؟

ما هي قصة مخطوط ”عباس باشا“؟

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

 لم يسبق العرب قوم في المفاخرة بالخيل وفضلها وشرف نسبها وشجاعتها وجريها وجمالها، ولم يأتِ بعدهم من الأقوام من جعل للخيل هذه المكانة الغالية، حيث أولاها العرب منزلةً عالية، لا تضاهيها منزلة، فقد ساووها بالأولاد والأهل، وآثروها عليهم وعلى أنفسهم.

لقد حظيت الخيل بعناية المؤلفين القدامى، فأفردوا لها الكتب والرسائل والشعر والحكم والأمثال، وتعتبر من بين هذه المخطوطات الثمينة والمهمة جدًّا في مادتها ومحتواها، والتى تناولت بالتفصيل والتوثيق موضوع الخيل عند قبائل جزيرة العرب من أهل البادية وأهل الحاضرة، هذه المخطوطة النفيسة المعنونة ”أصول الخيل“، أو مخطوطة ”عباس باشا“، والتي تناولت أسماء الخيل الأصيلة وأسماء مرابطها وأنواع سلالاتها وأسماء ملاكيها ومربيها وتجارها الحريصين على شرائها واقتنائها. 

ويتضمن كتاب ”أصول الخيل“ أو ”مخطوطة عباس باشا“ كما عرفت، ذكر أسماء حكام ذلك الزمان، وأسماء شيوخ قبائل العربان ورجالاتها وأسرها وفرسانها، في شبه الجزيرة العربية.

وترجع قصة كتابة هذه المخطوطة، إلى أن حاكم مصر في ذلك الوقت الخديوي ”عباس باشا“ الأول، أرسل بعثة متخصصة في الخيول العربية إلى جزيرة العرب، بقصد شراء الأصيل والنجيب من هذه الخيول.

وبالفعل، جاءت هذه البعثة على ظهور الإبل ”الهجن“ إلى جزيرة العرب سنة 1848، وباشرت في التجوال، والتجواب في بوادي العرب وديارهم وما جاورها من البلدان، بقصد شراء الخيل وتدوين أصولها ورسم مشجرات نسبها، وتسجيل أسماء أصحابها من الأفراد والأسر والعشائر والقبائل، وتثبيت كل هذه المعلومات التاريخية المهمة في دفاتر معدّة لهذا الغرض.

وبعد أن أنهت بعثة ”عباس باشا“ مهمتها، رجعت إلى القاهرة، وباشرت بالعمل على ترتيب وتنسيق معلوماتها المدونة سابقًا، وقامت بتبييض كل هذه المعلومات والكتابات السابقة، ووضعها بين دفتي كتابها المؤلف من قبلها، والذي أسمته بـ“أصول الخيل“، وقدمت هذا الكتاب القيم المفيد الرائع إلى سيدها حاكم مصر عباس باشا، في سنة 1852، وهي سنة تبييض الكتاب وتأليفه.

وقد ألفت هذه المخطوطة المسماة ”أصول الخيل“ في سنة 1269–1852، من قبل مجموعة من الباحثين، ورد في النسخة العربية للمخطوط أسماء عدد من المساهمين، لعل من أبرزهم مصطفى بك، مدير إسطبلات عباس باشا، علي بك صاحب صياغة الكتاب، رستم بك حاكم الشرقية بمصر، محمد كاشت سليم، بهجت أفندي، بهجت أغا، ومحمد أفندي أحمد.

وقد ذكرت مقدمة المخطوطة (الكتاب) ”فأرسل عدة من الذوات، مستكملين محاسن الصفات، ليجوبوا الغفار، ويقتحموا الأخطار، عناية من حضرته بتلك الجياد، ووقوفًا في كنه بيوت تلك الأصايل واستفهموا، فوردوا العراق والشمال وحلب والشام والحجاز الشريف، وشمر والإحساء ومسقط والبحرين والقطيف، وجبال نجد، وهكذا إلى الهند“.

وكان عباس باشا ضنينًا بتلك المخطوطة، مغاليًا في حرصه عليها، وبقيت في خزانته ولم يطلع عليها سوى بعض خواصه، ثم تناقلتها أسرته بعد وفاته حتى آلت إلى أسرة علي باشا الشريف، والتي لا تزال تحتفظ بها إلى اليوم.

وقد قامت السيدة الأمريكية جوديث فوربس، المعنية بتربية الخيول العربية بنقل المخطوطة إلى اللغة الإنجليزية، بالاشتراك مع السيدة جلسن أحمد شريف، حفيدة علي باشا الشريف، ونشرتها عام 1993 باسم ”مخطوطة عباس باشا“.

كما قام الشيخ الراحل حمد الجاسر، والذي كان من أبرز العلماء الباحثين في السعودية، بعد أن اطلع على الطبعتين العربية والإنجليزية، أصدر وطبع كتابًا تحت مسمى ”أصول الخيل العربية الحديثة“، يضم مخطوط عباس باشا، وأضاف عليها بعض المعلومات المهمة والمفيدة.

ومن المعلومات التي أضافها الشيخ حمد، والجديرة بالذكر، أن هناك نسخة ثانية من ”مخطوطة عباس باشا“، ضاع أصلها اليوم، ربما كتبها ناسخ مخطوطة عباس باشا لنفسه وبقيت مجهولة، حتى وقعت مصورتها بيد خير الدين الزركلي، الذي استفاد منها في كتابه ”شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز“.

وأنجزت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض 2007، دراسة وتوثيق ”مخطوطة عباس باشا“، عن أصول الخيل العربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com