ما الدور الذي لعبه الجن في الشعر العربي؟

ما الدور الذي لعبه الجن في الشعر العربي؟

المصدر: فهد طه – إرم نيوز

نشرت صحيفة ”هافنغتون بوست“ تقريراً مفصلاً عن الإلهام الشعري وعلاقته بالجن في الشعر العربي، وافتتحت الصحيفة، التقرير:

”في إحدى الليالي التي يظهر فيها البدر، همست إحدى الجنيات صاحبة العيون الخضراء في أذن البشر: دعونا نبنِ أمة كما نحب للعالم أن يكون“.

وقد ألهم الجن، كبار شعراء العرب طوال عقود، وتعود هذه الظاهرة إلى عصور ما قبل الإسلام، والتي تحاول أن تقدم تصوراً عن الغيبيات، حيث كان هذا التقليد منتشراً بشدة آنذاك.

والقريحة الشعرية يمكن أن تكون نتاج مدرستين شعريتين: شعراء المنطق وشعراء الإلهام. إذ تعتقد المدرسة الأولى أنّ الشعراء عليهم أن يتفوقوا في حرفة الشعر لتقديم أفضل ما عندهم من الأبيات الشعرية.

فيما تنخرط المدرسة الشعرية الثانية في التقليد من خلال إلهام الشعراء من قبل الجن، والتي تؤكد أكثر على الإلهام بدلاً من الصياغة والكتابة. إذ تعتقد هذه المدرسة أنّ الشعر ينبع من مصدر روحاني غير مرئي.

وقد عبّر الشاعر عنترة بن شداد عن الطبيعة المتحولة للجن في أبياته: ”مثل الغُول بينَ يديَّ يخفى تارة، ويعودَ يَظْهَرُ مثْلَ ضَوْءِ المَشْعَلِ“.

والغول، إلى جانب تسميته بالـ ”هن وعفريت ومارد ونسناس وشيك وسيلات“، يعدّ واحداً من أسماء عديدة للجن. ويعدّ هذا النوع الأبرع في فن التحول.

وحسب الجاحظ، فإنّ كلمة ”غول“ في اللغة العربية، تُعرف على أنها ”كل مخلوق خارق، قادر على أخذ أشكال لا متناهية“. بينما يعرّفه ”الزبيدي“ في لغة الشعر، ”بأي شيء يتغير بشكل دائم“.

والشاعر الذي يتبع أسلوب الإلهام ينتهي به المطاف في العالم خالي الوفاض. ويفهم أن كل معتقد أو صورة فنية أو شعور ما بتغير دائم. ولهذا، فإنّ الشاعر ينسلخ عن صوره الجمالية فور صياغتها في عبارات، ولا مجال للشك كم تكون تلك العبارات جذابة.

وقد يُكرّم أحد الشعراء بإلهام إلهي، ولكن لا يجب التسليم بذلك. فهناك أوقات ينقطع فيها الإلهام، تجبر الشاعر على تعلم الصبر والاستسلام حتى يحضر من جديد.

عالم الشاعر

الشعر هو المكان الذي يستحضر حالات نفسية مختلفة. فهو يجعل الباطن ظاهرا والحياة متغيرة.

وهذا الأمر يمكن أن يكون صحيحاً كما ورد في قصة ”الأعشى“ الذي تاه في طريقه إلى حضرموت في اليمن، (حيث مرّ الشاعر الأعشى بخيمة في الصحراء. ورحب به شخص يدعى مشعل وقام باستضافته. وسأله الشخص عن اسمه. فقال الشاعر:

”أنا الأعشى“. وفجأة بدأ المضيف بإلقاء الشعر عليه، وقد فوجئ الأعشى بأنّ الشعر يعود له. وكانت تلك الأبيات تصف امرأة تدعى سمية وكان الشاعر على معرفة بها. وفي تلك اللحظة، نادى المضيف على تلك المرأة، وقد ظهرت بشكل مفاجئ وحينها بدأ الأعشى بالارتعاش. وفي النهاية، أفصح ذلك الرجل عن أنّ اسمه مشعل، وهو ملهمه ”الجنّي“ للشعر. كما ورد في كتاب (الإسلام والعرب وعالم الجن الخفي، ص131). إنّ رؤية الشاعر ليست وهما أو اصطناعا. وقد حدثت في عالم الجن (عالم لا مادي يسمى بعالم الخيال).

في الإسلام، يتم النظر إلى الكون كمجموعة من ثلاثة عوالم: الروحي (عالم النور) والخيال (عالم النار) والمادي (عالم الطين)، الملائكة في العالم الأول، والجن في الثاني، والبشر في الأخير.

وحسب وليم تشتيك، وهو واحد من رائدي الترجمة والتفسير للنصوص الإسلامية الفلسفية والنصوص الغامضة، ”بالنسبة للمفكرين المسلمين يوجد إله (كينونة) وأي شيء سواه يتبلور في (أكوان ثلاثة). عالمنا وعالم الجن وعالم الملائكة هو ما يتصوره الإله في الوجود. ورغم ان العوالم الثلاثة ليست هي الله إلا أنها قد تدلنا على الطريق لمعرفة ذواتنا والله معا، كونهم يعكسون طبيعته الإلهية“.

يتصرّف الجن كمرشد للشاعر في بحثه عن المعرفة، الذي يبدأ من الداخل. ولأنهم كائنات خفية، فهي تنبثق من الباطن ومن الأجزاء غير الظاهرة من الخلق.

فبمجرّد أن يلتقط الشاعر قلمه، فإنه ينصهر ويجمع بين العالم المادي وعالم الجن وعالم الخيال ليتدفق الإلهام الإلهي.

العالم الكبير والعالم الصغير

يبدأ الشاعر بلمس كل الوجود، عن طريق الجن، فبالإمكان التواصل مع الجن عوضاً عن الملائكة كونهم الأقرب إلى طبيعتنا. وهم يشبهون (خيالنا) حيث أنهم يقفون في المنتصف بين العالم المادي والروحي. وهذا يجعلهم يمتلكون صفات من كلا العالمين الروحي والمادي، ولكنهم غير ظلاميين أو نورانيين. وهذا يجعلهم في الوسط وغامضين، ومع ذلك هم قادرون على الظهور بصور مختلفة.

وبرأي ”ابن عربي“، تحدث الأحلام في ذلك العالم الذي يقف في المنتصف. ففي الأحلام، يمكن أن تأخذ الأرواح الشكل المادي، بينما تأخذ أجسادنا المادية الشكل الروحي. وبهذه الطريقة، فإن الأحلام تجعل كل شيء ممكناً، ويشارك الجن في الأحلام بهذه الميزة بأبعاد الحدود التي تصورناها.

وعالم الجن، الذي يقف كوسيط بين العالم الروحي والمادي، هو ما يطلق عليه ”ابن عربي“ (الخيال). إنه جزء منا، يسمح لنا بالولوج إلى العالم الإلهي اللامحدود.

لتكون مُلهماً من الجن عليك أن تتجرأ على الحلم بطريقة خارجة على المألوف وأن تتعلم طرق الأنبياء في كشف الغيب.

ويصف تشيتك ”النفس“، ورحلتها إلى عالم الجن، ”منتقلة من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن البخل إلى السخاء“، في سبيل اكتشاف الذات والبحث فيها، وهو كل ما يلهمه الجن للشاعر.

إلى جانب تلك الرحلة، فإنّ الشاعر يبقى منتظراً للوحي الإلهي، إذ يسقط كقطرة ماء على الصدر، ويسيل كجدول خفي يبدأ في عالم الخيال وينتهي في عالم المادة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة