”سنجور“.. صوت أفريقيا الدافئ

”سنجور“.. صوت أفريقيا الدافئ

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

في إطار الاحتفال بشهر الفرانكوفونية، وإحياء الذكرى الخامسة عشر، لرحيل الكاتب والشاعر السنغالي ”ليوبولد سيدار سنجور“ الذي كان رئيسًا للسنغال في الفترة بين عامي 1960 و1980، نظم مركز الأنشطة الفرانكوفونية بمكتبة الإسكندرية وجامعة سنجور بالإسكندرية وجامعة ”جاستون بيرجيه“ بسان لوي في السنغال مؤتمرًا دوليًا بعنوان: ”سنجور.. من حوار الثقافات إلى حضارة الكونية“، استمر يومي 16 و17 مارس 2016، في المسرح الصغير بمركز مؤتمرات المكتبة.

وضم المؤتمر 5 جلسات، تنوع محتواها بين الثقافي والفكري والفني والمسرحي، وتم في نهاية الجلسة الختامية إعلان الفائزين في مسابقة ”سنجور“ التي كان مركز الأنشطة الفرانكوفونية، قد أطلقها قبل شهرين.

الرئيس الشاعر

وحاز ”ليوبولد سيدار سنجور“ على لقب الرئيس بصفة مؤقتة، وكان من أوائل رؤساء أفريقيا الذين يتخلون عن كرسي الرئاسة طوعاً لا كرهاً، أما اللقب الذي ألزمه والتصق به، فهو ”الأديب الشاعر المفكر عاشق أفريقيا وفيلسوف أدب الزنوجة“، وهو من عمل على إعادة التباهي بأفريقيا عن طريق شرح العادات والتقاليد والأفكار ومعاني المؤسسة القبلية وتمجيد الأبطال الأفارقة، كما فطن مبكرًا إلى قيمة المعطى الثقافي الأفريقي.

وعاش ”سنجور“ لإثبات قدرة القارة السمراء على صنع إنسان من نوع خاص‏، واتخذ من بشرته السمراء وملامحه الأفريقية الخالصة سلاحًا في رحلته العظيمة ضد التعصب والتفرقة‏.

ميلاده ونشأته

وولد ”ليوبولد سيدار سنجور“ الشاعر والاديب الذي أصبح أول رئيس للسنغال، في عائلة أرستقراطية عام 1906، بمدينة ساحلية صغيرة تبعد 100 كيلومتر عن العاصمة ”داكار“، وبدأ دراسته في إحدى المدارس الداخلية في السنغال وعشق الفرنسية وأجاد اللاتينية واليونانية، وظهر تميزه في كتابة الشعر منذ أن كان طالبًا.

وأكمل ”سنجور“ دراسته الجامعية في باريس، كما كان يفعل أبناء البرجوازية السنغالية، وكون صداقات عديدة، أبرزها مع ”جورج بومبيدو“، الذي أصبح رئيسا لفرنسا لاحقًا، والشاعر الكبير ”إيميه سيزير“، الذي كان له الدور الأبرز في تشكيل شخصية ”سنجور“، حيث تعلم على يديه ضرورة التحرر من القهر والعبودية والظلم التاريخي، وأسس معه مجلة ثورية احتجاجية باسم الطالب الأسود.

فلسفة الزنوجة

ومن خلال فلسفة الزنوجة، أسهم في تحرير الشخصية الزنجية عن طريق شرح العادات والتقاليد والسمات الأفريقية المميزة، وتزكيتها وتمجيد الأبطال الأفارقة، والترويج لحضارتها بالاعتماد على المخزون الثقافي لشعوبها.

وبنى ”سنجور“ فلسفته الحياتية على نظريته الفلسفية وإيمانه بخصوصية أفريقيا وتميزها، وبعد أن عاد إلى السنغال، حاول أن يجمع بين تعلمه في فرنسا وموروثاته الأفريقية الأصيلة، واهتم بالتعليم، فكان يرى أن الأمل يكمن في تنشئة جيل سنغالي جديد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، التراث والتجديد، العقلية الأفريقية والعقلية الأوروبية.

واكتسب شهرته العالمية من كتابته للشعر باللغة الفرنسية، حيث سخر قلمه لفضح كل الممارسات العنصرية، و يعتبره الكثيرون أحد أهم المفكرين الأفارقة من القرن العشرين.

وفي عام 1956، أسس ”سنجور“ الكتلة الديمقراطية السنغالية، وساهم في إنشاء الاتحاد التقدمي السنغالي، وفي 1960 انتخب رئيسًا للجمهورية، وخلال فترة حكمه التي دامت 20 عامًا حققت البلاد نقلة نوعية من خلال فكر جديد يجمع بين الحداثة الأوروبية والتراث السنغالي.

استقالة الرئيس

ولأنه الرئيس، بلغ به الوفاء لسنجور الشاعر أن يتخلى عن السلطة قبل أن تفكر في التخلي عنه، فبقي شامخًا في الأذهان والوجدان، لأنه عرف كيف يخرج بمثل الهيبة التي دخل بها عالم السلطة، وتقدم باستقالته من رئاسة الجمهورية، وسلم المشعل لرئيس وزرائه عبدو ضيوف.

ومن أهم أعمال ”سنجور“ الشعرية، ديوان ”قربان أسود“ 1948، و“إثيوبيات“ 1956، و“ليليات“ 1961 و“رثاء الصابيات“ 1969.

ومن الجوائز التي نالها، جائزة نوبل للسلام، الجائزة الدولية الكبرى للشعر1963 والميدالية الذهبية الفرنسية عن مجمل مؤلفاته 1963 وجائزة أولينير 1974 وجائزة موناكو الأدبية 1977 وجائزة أمير الشعراء 1978 وجائزة الفريد وفيتني 1980.

وأمضى ”سنجور“ السنوات الأخيرة من حياته مع زوجته في ”فيرسون“، نورماندي، حيث وافته المنية في 2001. وتم تشييعه في داكار، عن عمر يناهز 95 عامًا تاركًا بصمة أفريقية دافئة داخل قلب أوروبا البارد، وخلف وراءه حب ملايين السنغاليين، وإرثًا شعريًا وتاريخًا حافلاً بالإنجازات ونهضة صنعها من أجل بلاد استنزفها الاستعمار سنوات طويلة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com