حجاجي إبراهيم: ”التكية المولوية“ جزء حي من الثقافة الروحية العربية

حجاجي إبراهيم: ”التكية المولوية“ جزء حي من الثقافة الروحية العربية

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

بمجرد أن تدلف إلى شارع السيوفية بالقاهرة القديمة، بطرقاته الضيقة وبيوته ذات الشبابيك الخشبية العتيقة، ستجد نفسك وبشكل لا شعوري قد عبرت أكثر من سبعة قرون من الزمن العربي، لتجد أمامك ”التكية المولوية“، رمزًا مزدهرًا لنماذج المذاهب والثقافات العربية، فهي المكان شبه الوحيد في مصر الذي امتزج فيه المذهب السني بالشيعي، وهي العمارة الأثرية العربية المكتملة الأركان.

”التكية المولوية“ بها قاعة الرقص والضريح والتكية لإقامة الدراويش، كما أن بها أعمدة وصور وخطوطاً ترمز لطريقة فلسفية روحية صوفية، أسسها شيخ الصوفية ”جلال الدين الورمي“.

أما منشأ المكان في الأصل، فهو الأمير سنقر السعدي، أحد أمراء دولة الناصر محمد بن قلاوون، فهي جزء ما يزال حيًا من التاريخ والفلسفة الروحية للشعوب العربية.

ويرى الدكتور حجاجي إبراهيم، رئيس قسم الآثار بجامعة طنطا، والمسؤول عن التكية كمفتش آثار منذ 1977، ورئيس جمعيتي الآثار المصرية والآثار القبطية، في حوار خاص مع إرم نيوز، أنّ التكية هي القاعدة المعنوية الثانية بعد المسجد لدى المسلمين، وهو الموضع الذي يقيمون فيه شعائر الحزن والمآتم.

وقال حجاجي: ”ولقد امتزج مفهوم التكية مع العزاء والتعزية، حتى لم يعد بالإمكان فصلهما عن بعضهما، ولكل تكية علمها الذي يميزها عن سائر التكايا“.

وأضاف: ”عرفت «التكايا» وقبلها «الخانقاه» و«الزاوية» مع رسوخ الإسلام وانتشاره في العديد من البلدان خارج المنطقة العربية وداخلها، ومن ثم راجت مع الرواج الاقتصادي والتجاري بين تلك البلدان، وأصبحت جزءًا مهمًا في النشاطات البشرية، سواء في الدعوة إلى الدين الجديد، أو في تهيئة سبل الحياة المناسبة للتجار، فضلًا عن توظيف نسبة كبيرة منها في إيواء المتصوفة وضيوف الرحمن العابرين للسبيل“.

وتابع إبراهيم في حديثه معنا: ”عرفت أوروبا فكرة التكية، ولعل أشهرها إلى اليوم، رغم كل وسائل التقدم التي ربما يقال إنها كفيلة بالاستغناء عنها أو إلغائها، وهي تكية ممر سانت برنارد (وهو ممر جبلي في جبال الألب) أسسها «سانت برنارد» في القرن الحادي عشر، من أجل توفير مكان لراحة المسافرين، وربما إسعاف المصابين في الجبال، ويبدو لمن يتابع تاريخ فنون «الفندقة» أن تلك التكايا لم تكن سوى البذور الأولى لفكرة الفندق، من حيث الهدف من الإنشاء وشكل الخدمة المقدمة“.

وأوضح: ”أما التكية المولوية بالقاهرة القديمة، فيرجع تاريخ بنائها لسنة 721 هجرية، ولها أكثر من مسمى، فهي (مدرسة سُقر السعدي) و(السمع خانة المولوية)، و(ضريح سيدي حسن صدقة)، و(التكية المولوية)، وقد بناها الأمير سُنقر السعدي أحد أقوى أمراء دولة الناصر محمد بن قلاوون، وكان يتولى وزارتي الدفاع والداخلية، أو الجيش والشرطة في عهده، وقد بنى المكان وبنى لنفسه (تابوتاً) كي يُدفن فيه“.

واستطرد قائلاً: ”ويشاء القدر أن يقوم أحد أتباع (سنقر) ويُدعى (قيسون) بالوشاية به لدى السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فيطرده من مصر إلى طرابلس بالشام ويموت هناك، واعتاد الأثريون أن يطلقوا مسمى (مشهد) على مدافن آل البيت، و(ضريح) على مدافن الصوفية، و(مدفن) على مدافن الناس العاديين“.

ويستكمل حديثه: ”حضرت ”طائفة المولوية“ لمصر، وهم الدراويش أتباع مولانا جلال الدين الرومي، فاستوطنوا بالمكان وأقاموا احتفالاتهم به، وهي احتفالات راقصة دائرية ذات رموز فلسفية خاصة“.

وتابع: ”التكية المولوية بنيت على أساس روحي فلسفي، فقاعة الرقص الأساسية أو المسرح بها 12 عمودًا على أسماء الأئمة الاثني عشر عند الشيعة، وبها رقم ثمانية دلالة على أبواب الجنة الثمانية، وحملة العرش الثمانية، وتقع القاعة فوق حمام السيدات الذي يستخدم الماء الساخن، دلالة على أن عرش الرحمن فوق الماء وصالة فوق الماء، وقبة الساحة مزينة برسوم وصور جميلة لعصافير وطيور، دلالة على فناء جسد الدرويش، وتحليق روحه في الفضاء بعد انطلاقها، وشجر السدر يرمز للخلود ورائحته العطرة تغطي على رائحة جثث الموتى والصبار بالمقابر، على عادة المصريين من آلاف السنين، كرمز للخضرة والحياة والبعث ومقاومة الفناء، وأعلى المسرح توجد لوحات خطية أشهرها (يا حضرت مولانا قدس سره) كتبها الخطاط التركي الشهير عزيز رفاعي، الذي جلبه الملك فؤاد خصيصًا نكاية في محمد حسني البابا، والد الفنانة سعاد حسني الذي كان خطاطًا معروفا أيضًا“.

وأردف حجاجي: ”الثابت أن مولانا جلال الدين الرومي، كان فقيهًا عاديًا حتى التقى بالصوفي شمس التبريزي، فعلمه طريق الروح والتصوف، وأخبره أن كل شيء بالوجود يسبح لله، ويدور حول المركز في حركة دائرية“.

وواصل حديثه قائلاً: ”من هنا احتفلت الطريقة المولوية بالرقص، لأنه تعبير جسدي دائري، وأدخلت رموزها الخاصة، فالطربوش فوق رأس الدرويش هو عنوان على (شاهد القبر) فوق الجسد الفاني ويسمى (القاووق) والجبة هي (التابوت) واللون الأبيض دلالة على الكفن بلونه الأبيض، وعندما يرفع الدرويش يده لأعلى عند الرقص فمعناه أنه يتلقى الهبات من السماء، وعندما يهبط بها لأسفل يعني أنه يقدم العطايا للناس“.

وأضاف: ”والمولوية طريقة مشهورة في تركيا إلى حد اليوم، وقد حضرت لمصر أكثر من مرة لتقديم حفلاتها الراقصة، وقد طور المصريون الطريقة، وقلدوها كما فعل أولاد أبو الغيط وفرقة التنورة، وقد خلف جلال الدين الرومي مؤلفات كثيرة أشهرها (المثنوي) المطبوع في 6 مجلدات بتحقيق الدكتور الراحل إبراهيم شتا“.

وقد شهدت التكية كما يقول حجاجي، إقامة أول مؤتمر للموسيقى العربية في مصر سنة 1932، وقد جُمعت اسطواناته من المرحوم عبدالعزيز عناني، بناء على توصية الموسيقار الراحل عبدالحميد توفيق زكي، وظلت المولوية بالتكية حتى قامت الثورة سنة 1952، فطردوا منها، وقيل إنهم كانوا يشربون الخمر مع أنهم تكلموا عن الخمر الإلهي، وكانوا يعلمون أبناء الأغنياء العزف على الناي.

وتابع: ”لم يكن المكان مسجلًا كأثر حتى ضم حديثًا، واختارته المستشارة الثقافية الإيطالية كارلا ماريا بوري، لترميمه، واختارت المرمم فان خوري واختارتني كمفتش آثار منذ سنة 1977 وبالفعل نجح المكان في تخريج دفعات عديدة من المرممين“.

sofia (3)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com