قصة ”ثلاث سويديات في القاهرة“.. حين يكتب الأغيار عن الوطن – إرم نيوز‬‎

قصة ”ثلاث سويديات في القاهرة“.. حين يكتب الأغيار عن الوطن

قصة ”ثلاث سويديات في القاهرة“.. حين يكتب الأغيار عن الوطن

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

أن تحب وطنك الذي ولدت فيه، والحي الذي تسكنه، ويذكرك بطفولتك الشقية وعاطفتك البكر لبنت الجيران، وأغاني الحب لمحمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، ومبنى مدرستك الابتدائية وقد ظهرعليه تقلبات الزمن وغدره، وكلما مررت به تشعر أنه شاخ مثلك، فهذا أمر طبيعي، فمن منا لا يحب أرضه وناسه وتاريخه البسيط المنسي من كتب التاريخ، ولكن ماذا لو كتب عن كل تلك التفاصيل الغريب الذي عاش إلى جوارك وشاركك المحبة والعادات والذكريات، ذلك الغير، المحب بعيونه وفهمه لطبيعتك السمحة وطيبتك؟.

ستجد الإجابة بسيطة وحميمية، عند الكاتبة السويدية ”آن إيديلستام“، الباحثة الاجتماعية في علم الأجناس البشرية، والمؤرخة الإسلامية والصحفية، التي تتحدث السويدية والفرنسية والإنجليزية، وأيضًا عاشت في مصر، فكتبت قصة حقيقية بطلتها جدتها ”هيلدا“، ووالدتها  ”إنجريد“، و“هي نفسها“، لتقدم من خلال ذكرياتهن المتداخلة تفسيرًا للأجيال الجديدة، التي تريد أن تفهم طبيعة ما يحدث في مصر في رواية أقرب إلى دفتر الذكريات، بعنوان ”ثلاث سويديات في القاهرة“ والتي صدرت حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية.

حيث تسرد الكاتبة السويدية آن إيديلستام، بأسلوب أقرب إلى اليوميات، قصة ثلاث سويديات، يمثلن ثلاثة أجيال مختلفة، ساقهن القدر للحياة في مصر، ومن خلالهن، ترصد المؤلفة التحولات الحادة التي شهدها المجتمع المصري منذ عشرينيات القرن العشرين، وحتى العام 2011.

البداية لم تكن مقصودة بالطبع، ولكنها الأقدار حينما تجعل في طريقك وطناً آخر تحن إليه، حيث تبدأ الأحداث مع ولادة ”هيلدا“ العام 1889، وسفرها لاحقا إلى ”مصر“، حينما تصبح شابة، وتقع في حب الشاب ”طورشتين“ ويفكر في الزواج منها، لكنه ينتقل للعمل في مصر كقاضٍ بالمحاكم المختلطة، التي كانت منتشـرة آنذاك، ويصل بالفعل إلى القاهرة يوم 24/10/1926، ثم تلحق به ”هيلدا“ بعد ذلك، ويتم الزواج، ثم ينتلقان للعيش في مدينة المنصورة، حيث يعمل في محكمتها المختلطة.

تسافر ”هيلدا“ إلى السويد، لتضع مولودتها خوفًا من عدم رعايتها طبيًّا بشكلٍ مُرضٍ في مصر، ثم تعود بابنتها ”إنجريد“ – والدة المؤلفة والسيدة الثانية من السيدات الثلاث – التي تقضي طفولتها وشبابها في مصر، ولا تعرف لها وطنًا غيره، لكنها تضطر لمغادرتها إلى السويد بشكل نهائي، قبيل ثورة 23 يوليو 1952، وهناك تلتقي دبلوماسيًّا شابًّا اسمه ”أكسيل إيديلستام“، الذي يصبح زوجها فيما بعد، وتُنجب منه ”آن“ – السيدة الثالثة، والراوية التي تحكي قصة السيدات الثلاث اللاتي عشن في القاهرة.

swedn

تتحدث الكاتبة آن إيديلستام، عن جدتها قائلة: «ما زلت أذكر جدتي، أُغمض عيني، وأتذكر كل تفاصيلها، شعرها الملفوف، الابتسامة التي تضيء وجهها، وقرطها الماسي الذي ما زلت أرتديه، لازمتنى جدتي وذكرياتها، ومن خلالها لازمتني مصر طيلة حياتي، دون حتى أن أدرك أو أشعر بهذا».

لا تنسى ”إنجريد“ والدة آن إيديلستام، عشقها لمصر، حتى يفاجئها زوجها بأنه تم تعيينه سفيرًا للسويد في القاهرة، وتعود ”إنجريد“ مرة أخرى إلى وطنها مصر بعد سنوات من البعاد، كزوجة للسفير السويدي في القاهرة، وسرعان ما تلحق ”آن“ بوالديها، لتحيا معهما في المحروسة، وتبني ذكرياتها الخاصة بها.

وهكذا تكتمل قصة السيدات الثلاث، اللاتي من خلال حياتهن في القاهرة، نتعرَّف  شكلَ الحياة المصرية في فترة زمنية طويلة نسبيًّا، عبر ثلاثة أجيال، ونعرف كيف كان يفكر المصريون ؟ وكيف كانوا يعيشون ؟ ونلمس – مع السيدات الثلاث – مدى تغيُّر الحياة، حيث تختفي ملامح الجمال من الشوارع والمباني والحدائق بمرور السنين، وزيادة عدد السكان، وانتشار السيارات في الشوارع، وتغيُّر سلوك الناس.

تتحدث ”آن“ عن عودتها إلى مصر بعد فترة انقطاع، فتقول: «بدأت التفكير بجدية في الذهاب إلى مصر، ولكني لم أكن واثقة مما سأجده بعد سنوات البعد الطويلة، فكرت في الصدمة التي أُصيبت بها والدتي بعد عقود من الغياب، والفرق الشاسع الذي وجدته بين أيام الطفولة، والمراهقة الوردية، وبين ما آلت إليه الأمور، هل سأستطيع التعرف إلى القاهرة بعد سنوات الفراق ؟، ماذا لو أصابني الإحباط ؟، أليس من الأجدر بي أن أحتفظ بالذكريات السعيدة دون العودة مرة أخرى ؟، انتصر فضولي في نهاية الأمر على كل هذه الأفكار، وقررت السفر إلى مصر».

هكذا عادت ”آن“ إلى مصر، لتُقدم بعيونها الوطن الآخر الذي عاشت فيه وأحبته، فهي من الأغيار الذين كتبوا عن تجربتهم بحب وموضوعية في هذه الرواية التوثيقية الممتعة، التي تأخذك معها ببراعة في رحلة طويلة، بدايةً من وصول جدتها ”هيلدا“ إلى مصر سنة 1927، حتى ما بعد 25 يناير 2011، لتتوقف القصة قبيل وصول الإخوان إلى الحكم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com