السرقات الشعرية.. جرم قبيح أم فن صريح؟ – إرم نيوز‬‎

السرقات الشعرية.. جرم قبيح أم فن صريح؟

السرقات الشعرية.. جرم قبيح أم فن صريح؟

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

لطالما شغلت قضيَّة السرقات الشعريَّة الباحثين والنقاد العرب في مراحل مبكرة من التراث العربي، إذ يكاد لا يخلُ كتابٌ في النقد الأدبي أو البلاغة من التطرّق إلى قضيّة السرقات الشعريّة.

وفي حين يرى بعض الباحثين، فيها أمراً مستهجناً مُنكراً يخالف الأمانة العلميّة والأدبيّة، يرى آخرون فيها شيئاً من لوازم الحياة الأدبيَّة، وضرورة من ضرورات تطوُّرها المطرِد.

وكما يرى الأستاذ الجامعي، د. عبد العزيز عتيق، في كتابه ”في النقد الأدبي“ فإن ”لفظ السرقة في الأدب لا يقف عند حدِّ الاعتداء على أدب الآخرين والأخذ منه، وإنَّما تتجاوز السرقة ذلك إلى أمورٍ أخرى؛ كالتضمين، والاقتباس، والمحاكاة، والتحوير، وعكس المعنى، وما إلى ذلك“. (ص 210)

ولعلّ أبرز قضايا السرقات الشعريَّة في التراث العربي، كانت قضيّة سرقات ”أبي تمَّام“ إذ أُلِّفت حولها كتب عدَّة، وتعدّ الإرهاصات الأولى لدراسة السرقات الشعريَّة، دراسة منهجيَّة.

وتجدّد الحديث عن السرقات الأدبيّة، مع سطوع نجم ”أبي الطيِّب المتنبِّي“ بعد أن حاول أعداؤه تجريحه واتِّهامه بالسرقات الشعريَة، إذ ألف بعض الكتَّاب القدماء العديد من الكتب حول الموضوع؛ ويأتي على رأسهم ”ابن وكيع“ في كتابه ”الإبانة عن سرقات المتنبِّي لفظاً ومعنًى“.

ويرى الباحث د. محمَّد مندور، في كتابه ”النقد المنهجي عند العرب“ أنّ بعض تلك الدراسات ”لعبت فيها الأهواء“ في حين ”تناولت كُتب منصِفة (كالوساطة) و(اليتيمة) نفس المشكلة“. (ص 358)

وشاع استخدام مصطلح السرقات الأدبيّة في الشعر، نظراً لمكانة هذا الفن في الحياة الأدبية لدى العرب.

ويقول الباحث أحمد الشايب، في كتابه ”أصول النقد الأدبي“ إنَ السرقات الأدبيَّة ”مسألة طبيعيَّة قديمة في تاريخ الأدب العربي، وفي الشعر منه بوجهٍ خاص، وُجِدت بين شعراء الجاهليّة وفطِن إليها النقاد والشعراء جميعاً، لمَّا لحظوا مظاهرها بين امرئ القيس وطرفة بن العبد، وبين الأعشى والنابغة الذبياني، وبين أوس بن حجر وزهير بن أبي سلمى“. (ص 263)

ولم يتَّضح الفرق بين المصطلحَين عند النقاد العرب إلا في وقتٍ متأخّرٍ، باستثناء القاضي ”عبد القاهر الجرجاني“ الذي فصل بين المصطلحَين بوضوح وقوة، فجعل الاحتذاء شيئاً قائماً بذاته، بعد أن كان نوعاً من السرقات عند سابقيه.

وعلى الرغم من تفريق النقاد الغربيين بين لفظَي ”السرقة“ و“التقليد أو الاحتذاء“ إلا أنّ النقد الغربي لم يخلُ من الخلط بين المصطلحَين، على غرار أوائل النقاد العرب.

أنواع السرقات الشعريَّة

وتُقسم السرقات الشعريَّة إلى أنواع؛ يأتي على رأسها، النسخ، بأخذ المعنى واللفظ معاً، أو بأخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ ومن أبرز الأمثلة عليه قول امرئ القيس:

وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيُّهم… يقولون لا تهلك أسًى وتجمَّلِ

الذي يتطابق وبيت طرفة بن العبد:

وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيُّهم… يقولون لا تهلك أسًى وتجلَّدِ

ومن أنواع السرقات الشعريَّة أيضاً، السلخ وهو أخذ بعض المعنى، والمسخ وهو قلب الصورة الحسنة إلى قبيحة، وكذلك أخذ المعنى مع الزيادة عليه، بالإضافة إلى عكس المعنى إلى ضدِّه.

ومن فنون السرقة الأدبيَّة أيضاً؛ التضمين باستعارة الأبيات وأنصافها من شعر الغير وإدخالها خلال القصيدة ضمناً.

وكذلك يندرج الاقتباس ضمن السرقات الشعريَّة، وهو باحتواء الشعر على كلمةٍ من آيةٍ، أو آيةٍ من القرآن الكريم.

ومن الجدير بالملاحظة أنَّ النقاد العرب الأوائل اعتبروا السرقات الشعريَّة ضرباً من ضروب الفنِّـيَّة الأدبيَّة، ونوعاً من الحذق والمهارة، لا يتمكَّن كلُّ أديب من إجادتها، حتى أنَّ بعضهم أطلق على السرقة البارعة وصف ”حُسن الأخذ“ وعدُّوها فنَّاً من فنون البلاغة.

فالسرقة لدى غالبيَّة النقاد فنٌّ، وصاحبها فنَّان، إن استطاع أن يزيّن نتاجه الفني بهذا النوع من السرقات؛ وكما يقول النقاد القدماء ”لا يخلُّ شعرُ شاعرٍ من سرقة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com