”أدرينالين“ أسماء مصطفى في مهرجان مراكش للمونودراما

”أدرينالين“ أسماء مصطفى في مهرجان مراكش للمونودراما

المصدر: تحسين يقين - إرم نيوز

10 دقائق كافية للوعي والشعور الصادق، من خلال التأمل الروحي والنفسي والاجتماعي، وصولًا لنظرة ناقدة ونقدية بحدة وسخرية لاذعة، من أثر التحولات علينا كأفراد وشعوب، حيث لا فصل حقيقيًا بين الذات والعام، فالخلاص واحد شخصيًا ووطنيًا وقوميًا وإنسانيًا.

10 دقائق لذلك، وو45 دقيقة فعل فيها الفن فعلًا ساحرًا وصل تأثيره إلى أعماق الفكر والوجدان معًا، فلم ننفعل فقط، بل تعمّق الوعي وتعمّقت المسؤولية تجاه أنفسنا والآخرين، باتجاهات وجودية عميقة.

يقودنا اسم المونودراما إلى العلم، والذي يردنا نحو الفن مرة أخرى، لنطيل الوقت ما بين الفن والعلم؛ فالأدرينالين هرمون وناقل عصبي يعمل على زيادة نبض القلب وانقباض الأوعية الدموية، وبالمجمل يؤدي إلى تحضير الجسم لحالات الكر والفر.

وهذا ما فعلته الفنانة الأردنية أسماء مصطفى، من خلال السرد المصاحب لرقص تعبيري مختلف، جعلنا ننكمش ونتمدد متأثرين بالسياقات النفسية والاجتماعية والوطنية في إطار إنساني وعالمي.

نزعم أن العرض كان عبارة عن بدء ووسط وخاتمة أعادتنا إلى البداية، حيث مال الجزء الأول إلى التجريد من خلال التعبير الحركي الراقص المصاحب لموسيقى فيها من التوتر والقلق والاكتشاف والتوقع، محاكية حال الجنين في بطن الأم، وصولًا إلى الخروج، حيث تبدأ معاناة الرضيعة-المرأة.

من التكوين البيولوجي إلى التكوين الاجتماعي الذي ينمط المرأة، ويقتصر في النظرة على جوانب بيولوجية تشكل مصدر لذة للرجل، ”حيث قيل لها يومًا: ذكريات المرأة في ثديها“، كذلك تذكر حبها الأول، حينما كانت عينا الحبيب متركزة على الثديين، وصولًا إلى الزواج وتعرضها لسرطان الثدي الذي يكشف سرطانات فكرية وأيدلوجية وسياسية في المجتمع تدفعها في لحظة جرأة وإرادة لقلب الكرسي، برمزية السطوة الذكورية والاستبدادية.

لقد مهدّت لهدم الكرسي-رمزيًا وواقعيًا، بسرد آلام المرأة، عبر مونولوجات لنساء مقهورات، بدءًا بما عانته الفنانة التي جرّمت لسلوكها الفني بسبب الفكر المسبق النافي لدور المرأة، ومرورًا بالأم التي يهرب ابنها من بلده طلبًا للخلاص من آلام الفقر والحروب والبطالة فيكون حتفه في هروبه بين أمواج البحر ”“الغربة أفضل من البيع والشراء في الوطن“ إلى الزوجة التي يتركها زوجها ليلتحق بالجماعات المتطرفة، ويفاجأ بأنها صارت كفيفة بعد هذه السنوات، فيفجر نفسه طلبًا لخلاص آخر موعودًا بالحوريات؛ لتعلق ساخرة: ”وهل استطعت أن تسدد دين واحدة في الأرض كي تسدد ديون نساء الجنة؟“.

من خلال تلك المونولوجات، وتعدد الأصوات الساردة من خلال الممثلة على الخشبة، نستطيع قراءة الهم الذاتي الشخصي المرتبط عضويًا بالهم العام، حيث تقود المسرحية هنا المشاهدين إلى النقد الاجتماعي والسياسي معًا.

من خلال السرد ومرض السرطان تعرج على ذكر الفنان السوري نضال سيجري الذي أصيب في حنجرته، كذلك الفنانة الفلسطينية ريم البنا، التي يعيدنا غناؤها ”نسم هوا بلادي“ إلى النكبة القديمة واللجوء، والذي ينطبق على شعوب أخرى، ما زال أفرادها يحملون مفاتيح بيوتهم، لكن لا عودة تتحقق، فيكبر أبناء الملجأ، تكون منهم وتتزوج وتنجب ثم يكون ما يكون من آلام لا تنتهي.

في الجزء الأخير تعود الفنانة إلى وضعها الجنيني، كما في البدء، فهل كان ذلك لجوءًا آخر من آلام الحياة؟

لعل هرمون الأدرينالين هنا يرمز لدور الفن في كيفية تحمل الحياة ومواجهتها، فكما يساعد الهرمون الإنسان في حالة الانفعالات للتخفيف من أشكال الألم والإرهاق، فلربما يكون الفن كذلك، يساعدنا في رحلة الحياة حتى لا ننسحب منها.

فنيًا، أبدعت الفنانة أسماء مصطفى في التعبير عن الدهشة والاكتشاف والاستغراب والغضب والحزن والتردد والتوتر والسخرية، كذلك أبدعت في التعبير الراقص الذي يبدأ بطيئًا ثم يتسارع مع دراما السرد، وقد أحسنت باختيار ”لغة الجسد وخوض تجربة رقص البوتو“ Buth dance“  أي  الرقص الاحتجاجي والنحت في العضلات، والتعرية أمام الواقع الأليم للعودة إلى الطبيعة والعودة إلى الإصغاء للعالم الداخلي“ على حد قولها، لقد تم ذلك من خلا تركيز الفنانة واندماجها بالعرض.

من الرقصات المهمة، رحلة الكيماوي معبرة عن ذلك بالركض، كذلك رقصة البحر، ورقصة الرغبة والاحتجاج على كرسي السطوة.

 كذلك في تحريك الوعاء الذي يحاكي الغربال بما فيه من صدف تعبيرًا عن صوت البحر، وصولًا للرقصة الأخيرة حول نفسها باتجاه الخلاص، وقد كان للإضاءة هنا أثر في تعميق المعنى بتغيير لون الرداء دلالة التحول الإنساني العميق.

كان الديكور بسيطًا، الكرسي الأبيض برداء العباءة، كذلك وجود ”البسطار“ دلالة الحروب والنزاعات، أما الملابس البيضاء، واستخدام لفافة الصدر أيضًا كشريط أبيض خلال السرد عن سرطان الثدي، فقد كان كذلك ذلك معبرًا عن تناقض الفكر وثنائية الحياة والموت، والخير والشر، من خلال الأبيض في عمق المسرح المظلم.

موسيقيًا افتقدنا الموسيقى في الجزء الثاني، ربما كان ذلك مقصودًا، حيث عادت في الجزء الأخير.

مونودراما ”أدرينالين“ من تأليف وتمثيل وإخراج الفنانة أسماء مصطفى، موسيقى عبد الرزاق مطرية، تصميم وتنفيذ وإضاءة ماهر جريان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com