أكراد يرفعون أعلامهم في إحدى المناسبات
أكراد يرفعون أعلامهم في إحدى المناسبات رويترز

انتخابات بلدية في شمال شرق سوريا.. هل هي خطوة أولى نحو الانفصال؟

أعلنت "الإدارة الذاتية" لشمال وشرقي سوريا، موعد أول انتخابات بلدية في المنطقة الخارجة عن سيطرة دمشق منذ عام 2013.

وحددت التاريخ، يوم الـ30 من مايو/ أيار المقبل، مستندة إلى "عقدها الاجتماعي" الذي أعلنته في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وقالت المفوضية العليا للانتخابات في بيان لها: "عقدنا اجتماعنا الأول للمفوضية العليا للانتخابات، وبناءً على النقاشات التي جرت خلال الاجتماع، نُعلن أن انتخابات البلديات ستنطلق في الثلاثين من مايو/ أيار لعام 2024"

مفوضية عليا للانتخابات

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلنت الإدارة الذاتية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، البدء بتشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وذلك بعد أسابيع قليلة من الإعلان عن "العقد الاجتماعي" الذي لاقى رفضًا وانتقاداتٍ واسعةً في سوريا.

ونشرت "الإدارة الذاتية" في حسابها على "فيس بوك"، أن المفوضية العليا للانتخابات تتألف من 20 عضوًا. وزعوا على المناطق التي تسيطر عليها: (الجزيرة 5 - دير الزور 3 - الرقة 3 - الطبقة 2 - منبج 3 - الفرات 2 - عفرين 2).

وأعلنت أيضًا تشكيل لجنة مؤلفة من (اللجنة القانونية لمجلس الشعوب الديمقراطي وخبراء من مفوضية عام 2017 وآخرين) على أن تكون مهمة اللجنة إعداد مشروع مسودة قانون عمل المفوضية العليا للانتخابات ومشروع مسودة قانون الانتخابات.

وفي الـ13 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أصدر المجلس العام في "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سوريا التابع لقوت سوريا الديمقراطية "قسد"، نسخة العقد الاجتماعي المعدل باسم "العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا".

ولاقى الإعلان رفضًا وانتقاداتٍ واسعةً من المكونات السورية الأخرى باعتباره يؤسس لإشكاليات كبيرة"، في حين يخشى آخرون من أنه قد يكون مدخلًا للفدرالية.

وقالت المعارضة المدعومة من تركيا إن العقد "يحتوي على تقسيمات إدارية غير معترف أو معمول بها، ولا تناسب مطلقًا وضع المنطقة، وتؤسس لإشكاليات كبيرة تمنع الاستقرار في المنطقة وتهدم الروابط المجتمعية".

محكوم بالفشل

رئيس حركة البناء الوطني في سوريا، أنس جودة، قلل من أهمية الحدث في شكله الحالي، وقال في حديث لـ"إرم نيوز" إنه "بعد فشل تجربة كردستان العراق في وضع دستور خاص، وأيضًا نتيجة للعديد من العوامل الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، وأيضًا نتيجة للمواقف الدولية الرافضة كلها لإعادة رسم الخريطة السورية، لا أعتقد أن هناك مَن يفكر في شمال شرق سوريا بأي خطوة انفصالية، فهو أمر محكوم بالفشل ويعتبر في حكم الهرطقة السياسية".

وأضاف جودة أن مصير شمال شرق سوريا متعلق بمصير سوريا كلها وهو مرتبط عضويًّا بها ولا يمكنه الانفصال عنها أبدًا، ولكن ما يجري اليوم هو في سياق ترتيب الأوضاع الداخلية ضمن كل منطقة سيطرة، فالحل السياسي على مستوى القرار الدولي 2254 أصبح بعيدًا جدًّا نتيجة الصدام الأمريكي الروسي، ولا بدَّ من ترتيب الأمور بطريقة يمكن فيها إدارة المناطق لوقت أطول.

وأشار إلى أن "ما جرى من صدامات بين العرب والأكراد في الفترة الماضية وعدم وجود توافق على إدارة الأمور الداخلية واليومية هو ما دفع الإدارة الذاتية لإصدار العقد الاجتماعي وإجراء الانتخابات المحلية على أساسه في محاولة لاسترضاء المكونات المجتمعية الموجودة في المنطقة".

اجتماع للمجلس العام للإدارة الذاتية الكردية
اجتماع للمجلس العام للإدارة الذاتية الكرديةمواقع كردية

ابتعاد وانقسام

إلا أن جودة حذَّر من أنه "قد لا تكون الغاية المباشرة هي الفدرلة ولكن واقع الحال يقول إن استمرار الأوضاع على هذا النحو يمهد لحالة ابتعاد فعلي وانقسام نتيجة اختلاف النظم الإدارية والاقتصادية التي تحكم كل جغرافيا، وسيصبح من الصعب جدًّا لاحقًا إعادة دمج المنظومات المختلفة مع بعضها حتى لو تم بطريقة ما إيجاد حل سياسي على المستوى الوطني".

وأكد السياسي السوري أن هناك مسافة كبيرة جدًّا بين تجاهل الوضع الحالي وعدم التفاعل معه، وبين الوصول لحل شامل بعد إنهاء الاحتلال الأمريكي للمنطقة، "فالواقع يرفض منطق التفكير الحدّي القائم على كل شيء أو لاشيء، والأولوية اليوم هي لربط النظم الإدارية والاقتصادية، وتحقيق مرونة عالية عبر خطوط التماس، والسماح قدر الإمكان بانسيابية مرور البضائع والأشخاص.

وأوضح جودة أن هناك ملفات أساسية يمكن العمل عليها بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية، مثل: مواضيع السجلات المدنية والعقارية، ومنظومات التعليم والصحة، وتحقيق نوع من التماهي بين النظم الإدارية المحلية التابعة للطرفين، بحيث تتبع لنفس الإجراءات والأنظمة قدر الإمكان، وتحقيق نوع من التعاون والتكامل والعمل المشترك بين المنظمات المدنية والإغاثية، وفتح مساحات الحوار بين المفكرين والناشطين والقيادات المحلية على عناوين وطنية ومحلية أيضًا.

مشروع الانفصال "ساقط"

وعن مخاطر وجود "مشروع انفصالي"، وراء هذه الانتخابات، لفت جودة إلى أن أحدًا من الإدارة الذاتية لم يصرّح بذلك، فهذا "مشروع ساقط ولا مجال أبدًا لنجاحه مهما كانت الظروف. أما إذا كان الحديث عن مشاريع أخرى محلية ضمن إطار الدولة السورية فيمكن الحديث عن ممكنات لهكذا نوع من التوجهات، ولكن بكل الأحوال لا أرى نجاحًا لأي مشروع مهما كان شكله دون توافق وتنسيق مع دمشق سياسيًّا، وتحقيق القبول على المستوى الوطني بين كل السوريين مجتمعيًّا".

وحول إمكانية الوصول إلى نقطة وسط بين دمشق والإدارة الذاتية الكردية اعتبر جودة أن الحوار هو الكلمة السحرية، "قد لا يكون هناك تصورات واضحة لشكل الحل المرحلي ولا النهائي، وهذا ليس مطلوبًا حاليًّا، ولكن المطلوب هو رغبة جادة وعميقة في النقاش والحوار وسماع هواجس كل طرف، وعدم الاكتفاء بالمسارات الرسمية وشبه الرسمية والاجتماعات المغلقة، فهذه مسارات محدودة في نهاية الأمر ولا يمكن قول كل شيء فيها".

وتابع "لا بدَّ من مسارات هادئة وواعية بين مثقفين وخبراء وقيادات مدنية تبحث في عمق القضايا وتحاول تقديم رؤى وخيارات توضع على طاولات صنع القرار، أما تجاهل المشكلة وكنس الغبار تحت السجادة فلن يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان والوصول لانفجارات أشد خطرًا، وهو يسد الطريق على أي ممكنات لتحقيق التوافق الوطني الضروري لتحقيق الاستقرار وبناء السلام".

دور روسي مؤثر

وحول أي دور روسي محتمل في حدوث توافق سوري- تركي رافض لأي مشروع انفصالي، قد تدعمه واشنطن، يقول جودة "جرت عدة لقاءات معلنة لوفود سورية وتركية وربما هناك غيرها من مسارات غير معلنة وهذا أمر ضروري جدًّا، والدور الروسي في هذا السياق مهم ومؤثر ومستمر أيضًا، وفي السياسة لا يوجد أبواب مغلقة، وحتى لو كانت مصالح تركيا في سياق ما مرتبطة بالمصالح الأمريكية، إلا أن هناك تضادًّا في سياقات أخرى ومنها الملف الكردي، والأتراك واعون لهذا الأمر ويعرفون تمامًا أن هواجسهم فيما يتعلق بالملف الكردي لا يمكن حلها إلا مع دمشق مهما كانت الظروف".

أخبار ذات صلة
أردوغان يتوعد بتكثيف الضربات ضد المقاتلين الأكراد في سوريا والعراق

دمشق لا تريد الصدام

من جهته، استبعد عضو لجنة المصالحة الوطنية في سوريا عمر رحمون، إمكانية حدوث أي تدخل من قبل دمشق فيما يخص الخطوة الكردية. وقال في تعليق لـ "إرم نيوز": لا أعتقد أن دمشق ستقوم بأي إجراء ضد ما ستقوم به "قسد" من إجراء انتخابات لأن دمشق لا تريد الصدام معها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي تعتبر أن كل ما تقوم به قسد هو باطل وبدعم من الولايات المتحدة، ودمشق تعتقد أن الاحتلال الأمريكي سيرحل و"سيدفع المتطرفون في الإدارة الذاتية الثمن غاليًا، عاجلًا أم آجلًا".

ويكشف رحمون أن التواصل بين دمشق و"قسد" لم ينقطع، لكن "قسد" لا تتواصل مع دمشق إلا في حالتين: الأولى: عندما تتعرض لعدوان تركي، والثانية: عندما تعلن الولايات المتحدة أنها ستنسحب من شمال شرق سوريا.

تهيئة للانفصال

يرى رحمون أن الكرد لا يريدون إعلان الانفصال، لأنه ليس في مصلحتهم، والدول المحيطة بهم كلها ترفض قيام كانتون كردي، ولكنهم يريدون أن يهيئوا البنية التحتية للانفصال عندما تسنح لهم الفرصة، ولكن هذا لن يحصل، لأن دول الجوار كلها ستقف ضد مشروعهم سواء كان انفصالًا أو فدرالية.

عضو لجنة المصالحة الوطنية أكد أن الدولة السورية لديها دستور 2012 المعمول به حاليًّا، والكرد جزء من الدولة وهناك المرسوم 170 الخاص بالإدارة المحلية، أي أن أقصى ما يمكن أن يحصلوا عليه هو اللامركزية الإدارية وليس اللامركزية السياسية أو الفدرالية، وفي حال عدّل الدستور باتفاق الجميع، عندها ينطبق على الكرد ما ينطبق على أبناء الشعب السوري كله.

وأوضح أن أمريكا ستخرج عاجلًا أو آجلًا وعندها سيكون الرهان على الشعب، بمكونيه الكردي والعربي، الذي يرفض الانفصال عن الدولة الأم أو حتى إقامة فدرالية، وأشار إلى أن موقف "قسد" ليس قويًّا بما يكفي لاتخاذ أي خطوة كبيرة، لأنها باتت متهمة بالعمالة للأمريكي وبأنها تساعده على نهب ثروات البلد وتشكيل ميليشيات تابعة للأمريكي وحزب العمال الكردستاني المنتشر في تركيا وجبال قنديل في العراق.

نساء كرديات يرفعن إشارة النصر
نساء كرديات يرفعن إشارة النصرمواقع كردية

لا فدرالية بلا توافق

الكاتب والصحفي السوري الكردي ريزان حدو، رأى أن الفدرالية لا تتخذ من طرف واحد بل تحتاج إلى توافق سوري سوري وتوافق دولي.

وأضاف في تعليق لإرم نيوز "كي أوضح كلامي أعطي مثال الاستفتاء الذي أجري في إقليم كردستان العراق عام 2017، فرغم أنه نجح في صناديق الاقتراع وأقرت نتائج الاستفتاء موضوع استقلال الإقليم فإنه فشل على أرض الواقع بسبب عدم وجود توافق عراقي عراقي وعدم وجود توافق دولي".

ودعا حدو إلى عدم استباق الأحداث "إن تحدثنا الآن عن انتخابات البلدية فلا أعتقد أنها ستؤثر على العلاقة مع دمشق لأن فكرة الانتخابات البلدية لا تتعارض مع ما تطرحه دمشق في إطار قانون الإدارة المحلية ( اللامركزية الإدارية ).

أخبار ذات صلة
الأكراد يخشون من فقدان مكاسب الإدارة الذاتية إذا تصالحت سوريا وتركيا

نقاط كثيرة للالتقاء

ويتحدث الكاتب حدو عن أن نقاط الالتقاء بين دمشق والكرد أكثر من نقاط الاختلاف بكثير . ويسلط الضوء على تاريخ الحركة الكردية في سوريا منذ تأسيس أول حزب كردي عام 1957، فيقول "حتى الآن لم يتبنَّ أي حزب كردي أو حتى أي شخصية اعتبارية وازنة موضوع العنف السياسي ضد السلطات الحاكمة في دمشق، و لم تحدث أيّ معركة أو مواجهة عسكرية بين الجيش السوري وبين الحركة الكردية".

مضيفًا أن الحركة الكردية السورية على تنوعها، مجمعة على أن مطالبها تحت سقف الوطن السوري، وبالتالي هنا نقطة التقاء جدًّا مهمة، وهي الحرص على وحدة الأراضي السورية ورفض أيّ مشاريع تستهدف التراب السوري، ومثال على ذلك: الموقف من الاحتلال التركي للأراضي السورية.

ويختم حدو بالقول: بالمجمل، فإن الثابت والمؤكد أن حل الأزمة السورية يحتاج إلى توافق سوري سوري ووضع حد لكل تدخل خارجي سلبي.

logo
إرم نيوز
www.eremnews.com