التنفيذ خيار الدوحة الوحيد

التنفيذ خيار الدوحة الوحيد

على غير ما توقع الكثيرون، فقد فشل وزير الخارجية الأمريكي ريك تيرلسون ، في حل أزمة قطر، مع الدول العربية الأربع التي تقاطعها منذ ما يزيد على شهر.

كان البعض يعتقد أن أمريكا بحكم حجمها ودورها وعلاقاتها الوثيقة بطرفي الأزمة تملك كلمة السر، ومفتاح الحل.

لم يكن أحد يعتقد أن أمريكا تضع ثقلها للتوسط في الأزمة، دون أن يكون لديها معطيات مشجعة أو مؤشرات محفزة.

قطر التي وجدت نفسها بين يوم وليلة محاصرة بطلبات لا تستطيع الفكاك منها، رأت في جولة الوزير الأمريكي، طوق نجاة، فحاولت استثمار الجولة والإيحاء بأن تيرلسون جاء كوسيط، وأنه يقف على مسافة واحدة من الدوحة وخصومها.

روجت لهذا الإيحاء من خلال التوقيع مع الوزير الأمريكي، على مذكرة تفاهم عامة بشأن تمويل الإرهاب، وكأن هذه المذكرة هي أساس من أسس الوساطة بين الأفرقاء، وليست تفاهما ثنائيا لا يرتبط بالأزمة، ولا يتعلق بها ، اللهم إلا من خلال ظروف التوقيع عليها، وتزامنه مع جولة المسؤول الأمريكي.

التصريحات التي صدرت عن تيرلسون في الدوحة أو الكويت أو في جدة خلال الأيام التي استغرقتها جولته المكوكية، لم تكن تعكس حقيقة ما كان يجري في الكواليس.

فوزير الخارجية الأمريكي لم يكن يفاوض الدول الأربع على المطالب المقدمة للدوحة كشرط لرفع العقوبات، والدوحة لم تكن تجرؤ على المساومة على هذه المطالب، خاصة بعد أن ظهرت الوثائق التي تؤكد أن هناك التزامات أدبية وقانونية سابقة ومعروفة ، يتعين على قطر الوفاء والالتزام بها.

ما رشح عن كواليس مهمة الوزير تيرلسون، وما سرّبه بعض مرافقيه، يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تشاطر الدول الأربع تحفظاتها على السلوك القطري ، وتطالب مثلها ، بإجراءات فعلية لتعديل ذلك السلوك، وظهر هذا واضحا في تناقض التصريحات التي صدرت عن الإدارة في واشنطن بعد انتهاء الجولة، مع الخطاب الذي روّجته الدوحة خلالها، والذي بدا منه، أن المساعي الأمريكية أقرب لمحاولة استرضاء قطر، لا إلى إقناعها بالعدول عن غيّها ومكابرتها.

تمسك الدول الأربع بمطالبها يؤكد أن البحث مع الوزير تيلرسون لم يكن يتناول المطالب نفسها، ولا أي نوع من المساومة عليها أو التراجع عنها.

وأقصى ما طالب به تيلرسون هو إعطاء مهلة للتنفيذ، أو وضع جدول زمني يسمح للدوحة بالتراجع عن موقفها المكابر والمعاند، بحيث لا يكون التراجع بمثابة هزيمة سياسية للدوحة، أو انتصار لخصومها.

لكن الدول الأربع تعلم أن إعطاء الدوحة مهلة لتنفيذ المطالب يعني فتح الباب أمامها من جديد للمراوغة والمماطلة ، وهو ما فعلته بالفعل عام 2013 وما بعدها، حين تلكأت في تنفيذ ما وقعت عليه وما التزمت به ، وراهنت في هذا على الوهن الذي قد يصيب المطالبة الخليجية ، أو تغير الظروف ، التي تسمح للدوحة بالتملص مما التزمت به .

ولعله ليس مصادفة أن تنشر الوثائق التي وقعت عليها قطر قبل أربع سنوات بالتزامن مع وصول تيرلسون للمنطقة ، وهو ما يعني أن دول الخليج ومصر كانت على علم بحدود المهمة التي يقوم بها الوزير الأمريكي ، والتي تتلخص في إقناع تلك الدول بإعطاء الدوحة، مهلة لتنفيذ المطالب، فجاء نشر الوثائق كرد استباقي على مهمة الوزير الأمريكي ، وتوجيه رسالة ضمنية له حول خطورة إعطاء مهلة من هذا النوع، بعد أن نكثت الدوحة من قبل بتنفيذ تعهداتها في المهل السابقة .

من المؤكد أن واشنطن ما كانت لتقدم على إرسال وزير خارجيتها للمنطقة لو أنها تتوسط بشأن المطالب الخليجية نفسها لا حول آليات تنفيذها ، وشتان ما بين الأمرين ، فالتفاوض على جدول زمني للتنفيذ ، أو تحديد أولويات له ، يبقى أمرا ممكنا ، وقابلا للتفاوض، خاصة وأنه يعني ضمنًا ، التسليم المسبق بحق الدول الأربع فيما قدمته من مطالب ، وما يترتب على هذا الحق من تبعات ونتائج.

الدوافع الأمريكية لبذل مساع حميدة رغم علمها واتفاقها مع التقييم الخليجي لمواقف قطر من الإرهاب تمويلا واحتضانا ودعما ، ليس أكثر من طوق نجاة ترميه واشنطن للدوحة ، للخروج من الأزمة بما يحفظ ماء الوجه، و حتى لا تضطر الإدارة للاختيار بين طرفين حليفين، لها معهما مصالح مؤكدة.