عام على تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف.. هل تغيرت الحياة في السعودية؟

عام على تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف.. هل تغيرت الحياة في السعودية؟

اصطحب مئات السعوديين زوجاتهم لحضور حفل موسيقي يقام للمرة الأولى في المملكة، ويسمح للنساء والرجال بحضوره سوية دون أن يعترض أحد من رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يمنع الحاضرين من دخول المسرح الذي أقيم فيه الحفل.

والحفل الموسيقي الذي أحياه الموسيقار المصري العالمي عمر خيرت، في مسرح “جمان” بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية بجدة الشهر الماضي، هو واحد من نشاطات وفعاليات فنية شهدتها السعودية طوال الـ12 شهرًا الماضية، ولم يعترض عليها أحد بسبب الاختلاط بين الجنسين فيها أو الموسيقى والغناء اللذين تخللاها.

وقبل الـ 13 من أبريل/ نيسان عام 2016، كان إقامة حفل موسيقي يحضره الرجال والنساء سوية في السعودية، أشبه بالخيال في بلد محافظ كالمملكة يتمتع فيه رجال الدين بنفوذ كبير، وتجد تفسيراتهم للشريعة الإسلامية المطبقة في السعودية طريقها إلى حياة الناس بكل سهولة عبر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن منذ ذلك التاريخ، شهدت حياة السعوديين تغييرات جذرية بالفعل في مختلف مناحي الحياة، وكان لصدور قرار رسمي قلص من صلاحيات رجال الهيئة دور أساس في تلك التغييرات التي يشعر بها السعوديون في حياتهم اليومية بالأسواق وأماكن العمل.

أشبه بالحل النهائي

لم يحل القرار الحكومي هيئة الأمر بالمعروف نهائيًا، كما أنه لم يلغ عملها الميداني في المجتمع السعودي، وإنما اقتصر على منع رجالها من إيقاف الأشخاص، أو التحفظ عليهم، أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم، أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم، ليقتصر دورهم على إبلاغ أفراد الشرطة، أو إدارة مكافحة المخدرات عن الاشتباه بشخص معين.

لكن التطبيق العملي للقرار خلال عام كامل من صدوره، يتجاوز النصوص القانونية التي نظمته بكثير، إذ لم يبلغ رجال الهيئة الشرطة السعودية عن كثير من الفعاليات الفنية والترفيهية التي شهدتها المملكة، رغم أن ما تشهده من اختلاط بين الجنسين وغيره من التفاصيل تعد مخالفة بالنسبة لرجال الهيئة.

وأدى هذا التفسير الواسع لقرار تقليص صلاحيات الهيئة، إلى مشاهدات غير مألوفة في الأسواق وأماكن العمل والمولات التجارية الكبرى والمسارح والشوارع، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت ضمن نطاق عمل رجال الهيئة في الماضي.

تفسير ديني جديد

وكان الحفل الموسيقي الذي أقيم في جدة، واحدًا من بضع فعاليات أخرى في مناطق المملكة الشاسعة، قلما غابت عنها الموسيقى أو الغناء أو الحضور المختلط للرجال والنساء فيها، وهي أمور طالما عارضها رجال الهيئة وأوقفوها بالقوة واعتقلوا في كثير من الحالات عددًا من المشاركين فيها.

ويقول إعلامي سعودي بارز، معلقًا على دور الهيئة الدينية أو “الحسبة”، كما كان اسمها عند التأسيس في المملكة بعد عام من تقليص صلاحياتها، “إنها أشبه بالفتوى الدينية القديمة التي لا تغيب عن ذاكرة الناس، لكنها لن تطبق في حياتهم أبدًا مع وجود فتوى أخرى متبعة رسميًا”.

وأضاف الإعلامي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بسبب الانتقادات اللاذعة التي يتعرض لها معارضو الهيئة، “إن تفسيرًا آخر للشريعة الإسلامية أقل تشددًا يجري تطبيقه في السعودية اليوم، ويستند لفتاوى رجال دين في المملكة ودول إسلامية أخرى، لا ترى في هيئة الأمر بالمعروف بشكلها وصلاحياتها السابقة أمرًا ضروريًا في المجتمع”.

وفي تأكيد على أن المملكة مازالت ملتزمة بتطبيق الشريعة الإسلامية، حرصت هيئة الترفيه الحكومية التي ينظر لها على أنها نقيض لهيئة الأمر بالمعروف، على الالتزام ببعض القواعد السابقة التي كانت تفرضها الهيئة الدينية وإنْ بشكل جزئي.

وفي حفل فني موسيقي أقيم في العاصمة الرياض في يناير/كانون الثاني الماضي، تم تخصيص الطابق العلوي للمسرح الذي شهد الحفل، للنساء اللاتي حضرنه، فيما جلس الرجال في الطابق الأرضي، كتطبيق آخر للفصل بين الجنسين الذي تتمسك به المملكة.

وتلك التغييرات، يشاهدها السعوديون في الأسواق والمراكز التجارية الكبرى بشكل يومي، إذ طالما كانت مكانًا رئيسا لرجال هيئة الأمر بالمعروف، وهم يقومون بتوقيف الرجال والنساء للتأكد من أن البعض منهم زوجان مترافقان، أو لإجبار فتاة على مغادرة المكان بسبب ملابسها أو المكياج الذي تضعه على وجهها، أو لتوقيف شاب بسبب ملابسه العصرية.

الغياب الكامل للهيئة

وطوال عام كامل، ورد اسم الهيئة الدينية مرتبطًا ببعض الحوادث القليلة التي تقع في المجتمع، والتي طالما انشغلت وسائل الإعلام السعودية بالحديث عن عمل رجالها الميداني الذي كان يتسبب بجدل واسع بين السعوديين.

ويرد اسم الهيئة اليوم في الصحافة السعودية عبر نشاطات توعوية ودعوية لا تتضمن أي طابع إلزامي أو ميداني، لتنتهي بذلك نقاشات واسعة وانتقادات متبادلة في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، ومواقع التواصل الاجتماعي، حول دور الهيئة في المجتمع بين مؤيديها ومعارضيها.

وفي أبريل/ نيسان من العام 2016، توجت حملة الانتقادات التي قادها معارضو الهيئة الدينية، بصدور قرار تقليص صلاحياتها، وكانت الهيئة قبل صدور القرار تسيّر دوريات في المناطق العامة لتطبيق حظر المشروبات الكحولية، وتشغيل الموسيقى الصاخبة في أماكن عامة، والتأكد من إغلاق المحال وقت الصلاة، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء من غير المحارم، وتفرض أيضًا ضوابط للحشمة في ملابس النساء، ولديها وحدة خاصة بجرائم ابتزاز الفتيات.

وتعرضت الهيئة في السنوات القليلة الماضية، لانتقادات حادة على الإنترنت وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، في عدد من القضايا الشهيرة، نفذت فيها سياراتها عمليات مطاردة، انتهت بحوادث دامية، أججت مشاعر الغضب من رجالها، رغم وجود عدد كبير من السعوديين المناصرين لها والذين يعتبرون تلك الأفعال حوادث فردية.

وفي السعودية هناك شعورعام ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي، مفاده أن المملكة المحافظة مقبلة على تغييرات غير معهودة، وأن الفعاليات الفنية والثقافية التي أقيمت لحد الآن أو تم الإعلان عنها، ما هي إلا جزء من تلك التغييرات التي أعقبت إنشاء المملكة العام الماضي هيئة حكومية للترفيه.