اقتصاديون تونسيون يحذّرون من انعكاسات “تعويم الدينار” أو التخفيض في قيمته

اقتصاديون تونسيون يحذّرون من انعكاسات “تعويم الدينار” أو التخفيض في قيمته

حذّر خبراء اقتصاد تونسيون من التفكير في “تعويم الدينار” التونسي أو تخفيض قيمته، والسماح بانحدار مستواه أمام العملات الأجنبية، لما لذلك من انعكاسات سلبية على المقدرة الشرائية للمواطن من خلال ارتفاع نسبة التضخم، وتأثير ذلك على اقتصاد البلاد.

وقالت وزيرة المالية  لمياء الزريبي: إن العملة التونسية تخضع لقاعدة العرض والطلب، وبالتالي لا يمكن التدخل لتحديد قيمة الدينار، وسيبقى خاضعًا لمستوى المدخرات من العملة الصعبة، مشيرة إلى أنّ توسّع العجز التجاري يعمّق الحاجة إلى العملة الصعبة، في حين تتصاعد قيمة الواردات، وهو ما كان له تأثير قوي وسلبيّ، على ارتفاع نسبة التضخم ومستوى الدين الخارجي.

وأوضحت الوزيرة في حوار إذاعي،  أنّ هذا الأمر يبقى موضوعًا يشغل بال الحكومة، وسيتمّ اتخاذ قرارات وإجراءات على المستوى القريب والمتوسط، تحدّ من هذا التدهور.

وبخصوص إمكانية التخفيض من الواردات، أكدت الزريبي، أنّه لا يمكن اتخاذ قرار أحاديّ الجانب من تونس بوقف التوريد لأنّ تونس وقعت على اتفاقيات تبادل حرّ مع أغلب البلدان التي تورّد منها، مشيرة إلى أنه يتمّ التفاوض حاليًّا مع هذه البلدان بخصوص هذه الاتفاقيات من أجل إيقاف توريد بعض المواد.

تراجع الدينار

وطالبت منظمة الأعراف الحكومة بتوضيح الأسباب التي حكمت على الدينار التونسي بالتراجع إلى هذا الحدّ المخيف، معتبرة في بيان أن ذلك يمثل خطرًا حقيقيًا على الاقتصاد التونسي وعلى المؤسسة الاقتصادية.

وأوضحت منظمة الأعراف أنّ تراجع الدينار سيكون له تداعيات سلبية على الاستثمار والقدرة التنافسية للمؤسسات والتضخم وعجز الميزان التجاري وارتفاع نسبة المديونية وخدمة الدين وعلى التوازنات المالية الكبرى للبلاد وعلى صندوق الدعم، باعتبار أن أغلب المواد الأساسية المدعومة موردة من الخارج.

وشدّدت المنظمة على أنّ عامل الاستقرار بصفة عامة واستقرار سياسة الصرف بشكل خاص من العناصر الأساسية التي لها تأثير كبير على تنافسية المؤسسات وعلى تحقيق التنمية، وأن السياسة النقدية للبلاد بما في ذلك مراجعة قيمة العملة الوطنية يجب أن تقوم على التشاور مع الأطراف المعنية وعلى أساس رؤية اقتصادية وتوجهات واضحة، وأن تكون مرفوقة بإجراءات تضمن تفادي الارتباك والاضطراب على الساحة الاقتصادية والمالية.

ودعت كلًّا من الحكومة والبنك المركزي إلى الإسراع بتوضيح الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع والخطة التي سيقع اعتمادها لوقف نزيف العملة الوطنية الذي أصبح يهدد ديمومة المؤسسة التونسية وقدرتها على الاستثمار والتشغيل وعلى مستوى عيش المواطن التونسي.

انعكاس سلبي

وقال  الخبير الاقتصادي الدكتور رضا شكندالي: “إن ما تذهب إليه الحكومة من تخفيض قيمة الدينار أمر خطير، وهو يذكر بما حدث في أغسطس 1986 في أول إجراء اندرج في إطار برنامج الإصلاح الهيكلي حيث خفض البنك المركزي آنذاك قيمة الدينار لـ 15% وكانت آثاره سيئة للغاية، حيث لم ينقطع الدينار منذ ذلك الوقت في التدحرج إلى أن وصل إلى حالته الآن”.

وأضاف شكندالي في تصريحات لــ”إرم نيوز”: ” إذا كان هامش التصرف للحدّ من الآثار السلبية لتخفيض الدينار ممكنًا في 1986 نظرًا للنسب العالية للتعريفات الجمركية، فإنه لم يعد هناك أي هامش يذكر الآن، وبالتالي من يتصور أنّ هذا الإجراء سيكون له انعكاس إيجابي على الصادرات فهو واهم، بل إنّ هذا الإجراء سيكون له الأثر السالب على التضخم المالي، وموازنة الدولة حيث سيتزايد حجم الديون من أصل وفائدة، وتنافسية المؤسسة”.

وأضاف : ” تكاليف توريد الآلات والمواد الأولية ستتزايد بشكل كبير وهو ما سينعكس سلبًا على أسعار الصادرات وعلى التنافسية السعرية للمؤسسات الاقتصادية، كما أنه سيؤثر على المواطن التونسي بالداخل و الخارج، في الداخل من خلال ارتفاع التضخم المالي الذي سيرهق قدرته الشرائية وفي الخارج ستتراجع القدرة الشرائية للدينار مقابل كل العملات الأجنبية”.

شروط صندوق النقد الدولي

ويعتقد شكندالي أنّ تكريس استقلالية البنك المركزي ساهم بشكل كبير في تراجع الدينار، حيث إنّ هذا التراجع أصبح يتصاعد كثيرًا منذ تطبيق القانون الجديد للبنك في النصف الثاني من 2016″.

وانتقد الدكتور شكندالي تصريح وزيرة المالية عندما قالت: “إنّ البنك المركزي سيقلص تدخله في سوق الصرف ويترك الدينار يتراجع حتى يصل إلى حدود 3 دنانير لليورو الواحد”، قائلًا: “الوزيرة نطقت بالحقيقة فالبنك المركزي مع قانونه الجديد المشروط من صندوق النقد الدولي أصبح أكثر طاعة للصندوق منه للمصلحة الوطنية التي تستدعي منه التدخل للمحافظة على قيمة الدينار.”.

وأضاف:  “كأنه بهذا التصرف، يمهّد لإجراء التخفيض في قيمة الدينار والوصول إلى سياسة الأمر الواقع، وهذا ما يريده صندوق النقد الدولي، بل هذا من بين شروطه في كل الدول التي تتعامل معه، فهو دائمًا يقترح نفس الإصلاحات في أيّ زمان ومكان، وقد كان قد اقترح على تونس نفس الإصلاحات في عام 1986”.

وأمام الجدل الذي أثاره تصريح وزيرة المالية التونسية، بخصوص التخفيض من قيمة الدينار، أكد رئيس الحكومة يوسف الشاهد، اليوم، أنّ حكومته ستحدّ من التوريد العشوائي لمجابهة الهبوط الحادّ للدينار، مشيرًا إلى تخصيص مجلس وزاريّ يدرس هذا الموضوع من جميع جوانبه، وسيدرس بالأساس الميزان التجاري الذي أصبحت وضعيته ترهق الاقتصاد التونسي، في إشارة إلى إمكانية إيقاف توريد بعض الكماليات.