«الشتاء آتٍ… والليل مليء بالرعب»

«الشتاء آتٍ… والليل مليء بالرعب»

حسام عيتاني

يُحرّض النجاح غير المسبوق لمسلسل «لعبة العروش» («غايم أوف ثرونز» من إنتاج شبكة «إتش بي أو») على إعادة النظر بمقولات اعتبرت مسلمات في العقود الماضية، منها ان التلفزيون والوسائط البصرية التي تحل مكانه تدريجياً (الألواح والهواتف الذكية) هي أدوات تجهيل مقابل احتكار الكتاب الورقي، تحديداً، مهمة توصيل العلم والمعرفة.

إذا نحّينا جانباً الجوانب التجارية والتسويقية المرافقة للمسلسل المذكور، سنجد إنتاجاً يقوم على استيعاب عميق للمسرح الشيكسبيري واليوناني قبله وللتاريخ الأوروبي الوسيط ولبناء الشخصيات على طريقة روايات القرنين التاسع عشر والعشرين. وسنعثر على حوادث تركت اصداءً في الحاضر الأوروبي مثل غزوات الهون والمغول وانتشار الجنود المرتزقة وأساطير الحيوانات الخرافية والتبدلات في العقائد الدينية وظهور الجماعات الباطنية الغامضة الخ… بكلمات ثانية سنجد عملاً رفيع المستوى استطاع جمع شروط الإنتاج التجاري الناجح والإبداع الفني وقلقه ومواقفه من الإنسان والوجود والمستقبل والحياة بأسرها.

مع هذا المسلسل ومع أعمال أخرى مثل «ناركوس» (إنتاج «نتفليكس») الذي يؤرخ لمرحلة دموية ترصد تكوّن احتكارات تجارة المخدرات بين الثمانينات والتسعينات، يُطرح السؤال عن الوسيط الميديائي الذي نشهد على انتقاله من التلفزيون والسينما الى شبكة الإنترنت التي باتت الموطن الأصلي لشركات تخصص مبالغ ضخمة لإنتاج أفلام ومسلسلات توزع اولاً عبر الشبكة (مثل «امازون» و «نتفليكس» التي سبق ذكرها)، ما يغير تغييراً جذرياً طرق الوصول الى الجمهور والمضمون الذي يُنقل اليه واستطراداً، إطلاق عملية التفاعل المتبادل بين العمل والمتلقي وتشكيل الذائقة الفنية والرأي العام الخ.

وانتقال المعرفة إلى الوسائط الرقمية يفرض أسئلة تتعلق ايضًا بتدوين التاريخ القديم منه والحديث سواء عبر الأعمال الدرامية او الوثائقية التي يمكن الاعتقاد انها ستكرس احتلالها مكان الكتاب، ليس على الطريقة التي بدأت منذ انتشار السينما والتلفزيون في القرن الماضي كوسائل ترفيهية فحسب، بل كأوعية قابلة للحفظ والمراجعة في كل البيوت وفي متناول الجميع.

الترفيه، بهذا المعنى، لم يعد ترفيهاً يرمي الى جمع الأرباح للمنتجين مع تضمنيه بعض الرسائل الإيديولوجية تبشر بالقيم التي يتبناها المنتجون والمروجون له (على اعتبار ان كل عمل فني يحمل في داخله مضموناً إيديولوجياً حتى لو أنكر او لم يعِ أصحابه ذلك) بل بتنا في مرحلة جديدة من انتاج ونشر وتبادل المعرفة، مع كل ما ينطوي ذلك عليه من أخطار السيطرة والهيمنة والتوجيه الصريح والضمني والتحكم بالمحتوى على مستويات تزيد كثيراً عما عرفه العالم منذ بدايات «التصنيع الثقافي» او الثقافة الصناعية بتعبير أدورنو.

التنبؤ بسيناريوات جحيمية حيث تسود العالم أنظمة الرقابة الشاملة على البشر وقمع الحريات بذرائع الأمن والخير العام والانسجام الاجتماعي، بما يذكّر بمسلسل تلفزيوني آخر بُث ايضًا على الشبكة هو «المرآة السوداء» («بلاك ميرور»)، لا يزال مبكراً على رغم حمله الخوف الإنساني المشروع من مستقبل قاتم أو شتاء آتٍ يحل فيه ليل حالك العتمة مليء بالرعب، على ما تقول إحدى شخصيات «لعبة العروش». لكن لا ريب في أن الأجيال المقبلة ستتعرف إلى العالم المحيط بها على نحو يختلف عن الكيفية التي تعرف بها الناس اليوم على عالمهم وعلى أنفسهم.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com