اليمن: هل التحالف مع علي صالح هو الحل؟

اليمن: هل التحالف مع علي صالح هو الحل؟

موسى برهومة

منذ قيام ما سمي بـ «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979، لم تسمح طهران مطلقاً لأية قوات أجنبية باستخدام أراضيها للقيام بمهام في المنطقة. إلا أنّ القاذفات الروسية بدأت منتصف آب (أغسطس) 2015 بتنفيذ غارات ضد أهداف في سورية، بعد إقلاعها للمرة الأولى من قاعدة همدان الإيرانية، مستفيدة بذلك من مميزات موقع استراتيجي يسمح بإرسال طائرات ثقيلة محملة بأكثر ما يمكن من القنابل في زمن أقصر.

الحرب قالت كلمتها الفاصلة، والمصالح المشتركة بين نظام شيوعي تأسس على الصدام مع الدين، وبين نظام ديني شمولي، طغت على كل شيء، حتى لو بدت مسحة الفانتازيا فاقعة في هذه «الصداقة البراغماتية». الحرب في المقام الأول تحالفات لا تكترث بالأيديولوجيا، ولا تعترف بالمشاعر والخصومات «التاريخية». ثمة فقط موازين قوى وحسابات شديدة ومعقدة متغيّرة ومتحركة ومتقلبة في بعض الأحيان.

منذ 2014 يشهد اليمن نزاعاً دامياً بعد انقلاب الحوثيين على الشرعية، ما دفع التحالف العربي بقيادة السعودية للتدخل في آذار (مارس) لدعم حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، وتوطيد دعائم الحكومة المعترف بها دولياً. بيْد أن التدخل الإيراني والدعم غير المحدود للحوثيين عقّدا المشهد إلى حد أضحى فيه الناس المدنيون وقودَ هذه الحرب المستعرة، إذ قُتل، كما تقول الأمم المتحدة، أكثر من 8000 شخص، وأُصيب 46 ألفاً آخرون، فيما أصبح 20.7 مليون شخص في حاجة للمساعدة الإنسانية، وانتشر مرض الكوليرا الذي يُعتقد أنه أدّى إلى وفاة 2000 شخص منذ نيسان (أبريل).

لا جديد في هذه المأساة، إلا ما أطلّ برأسه أخيراً في خضم التجاذبات بين تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح، إذ أصبح الطلاق بين الحليفين بائناً بينونة كبرى، بعد أن أدرك صالح وجماعته أنّ الحوثيين يتآمرون عليهم، وأنّ زعيمهم عبد الملك الحوثي يخطط للتخلص منه وقتله. لذا اتهم بالفساد وتوّعدهم بـ «السيطرة على صنعاء». انفرط الإعلان الذي أجري بين الطرفين 28 تموز (يوليو) 2016، الذي قضى بتأسيس ما سمي بـ «المجلس السياسي الأعلى» لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهما بالمناصفة، وتشكيل حكومة انقلابية مشتركة.

ثمة مقاربتان يتعين الأخذ بأحدهما في ظل هذا التطور الخطير في العلاقة بين الحوثيين وأنصار صالح وجناحه في حزب «المؤتمر الشعبي العام»؛ الأولى تقضي بأن يترك الطرفان في غمرة حرب تصعيدية استنزافية تضعف كليهما، على قاعدة «فخّار يكسر بعضه» على ما لهذا الخيار من آثار تدميرية باهظة على الشعب اليمني، ما قد يضاعف أعداد الضحايا، ويضع المدنيين في قلب المحرقة.

أما المقاربة الثانية، وهي ما تحاول هذه المقالة أن تسوّغه وتَبسِطه، فتتمثل في اختراق براغماتي لهذا التحالف الهش المتداعي، من خلال الاقتراب من صالح الذي يمثل ثقلاً أساسياً في المشهد اليمني، وفتح القنوات معه من جانب التحالف العربي، وتجسير الخلافات معه، لا محبة به أو غفراناً لجرائمه، وإنما لعقد ما يصحّ وصفه بـ «التحالف مع الشيطان»، من أجل تحقيق مجموعة احتمالات، من بينها تقوية التحالف العربي، وتمكينه من التحرك بفاعلية على الأرض، والاستفادة من الخبرة القتالية للجنود الموالين لصالح، لا سيما وأن الرئيس المخلوع لا يزال يتمتع بنفوذ قبلي لا يستهان به. ويتبع هذا الخيار إضعاف القوات الحوثية ودفعها إلى المواجهة أو العودة إلى طاولة الحوار والخروج بخريطة سياسية تعيد تقاسم السلطة والمشاركة فيها على نحو يحفظ حقوق جميع التيارات والحساسيات العشائرية والسياسية في البلد.

لا خصومة مطلقة، ولا صداقة نهائية، خصوصاً إذا كان الأمر متصلاً بأعداء لا يقيمون وزناً للأخلاق أو اعتبارات الجغرافيا والتاريخ المشترك. وما دمتَ غير قادر على الحسم العسكري إلا إذا أحرقت الأخضر واليابس، فاعتصم بالدهاء، أو لُذ بنصيحة ماكيافيلي: «لم يتم تحقيق أمر عظيم من دون خطر»!

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com