المعرض في دمشق والأدب في الخارج

المعرض في دمشق والأدب في الخارج

عبده وازن

أي جدوى لمعرض دمشق للكتاب في ظل نظام هجّر معظم الكتّاب السوريين المعارضين وغير المعارضين ونفاهم مثلما نفى ملايين المواطنين ورماهم على الشواطئ وفي المناطق الخالية والضواحي؟ هل من جدوى حقاً لمعرض في بلاد لم يبق من الكتّاب الحقيقيين فيها سوى قلة وبعضهم يعيش في حال من النفي الداخلي والصمت؟

يقام معرض الكتاب في دمشق بينما الأدب السوري الراهن يُكتب في المنفى بعيداً من البلاد الأم. وفي المنفى خلال السنوات الأربع الماضية نشأ أدب سوري حقيقي، جديد وفريد، شعراً ورواية ونقداً، ناهيك عن الحركة الفكرية التي رسخت قواعدها في مدن العالم. ولكن لا يمكن تجاهل أدب آخر فريد أيضاً، يُكتب في الداخل السوري. ومعظم ما يكتب أصلاً في الخارج والداخل، تحت وطأة المأساة السورية المتمادية، يحمل معالم أدب طليعي وغير مألوف. إنها تراجيديا الشعب والأرض يرقى بها الأدب إلى مصاف الإبداع الجديد.

زرت معرض دمشق للكتاب مرة قبل ست سنوات ووجدته كئيباً، كالحاً وخلواً من البهجة والحياة، وما إن جلت بين أجنحته القليلة التي نصبت كما أذكر تحت خيم في إحدى ضواحي العاصمة، حتى غادرت وفي يدي كتابان أو ثلاثة. كيف يمكن معرضاً للكتاب تسيطر عليه “ديناصورات” الثقافة البعثية وتثقله إيديولوجياً وسياسياً و “تعبوياً”، أن يكون فسحة للحوار والحرية والفرح؟

استعادت دمشق معرضها للكتاب الذي تصفه بـ “الدولي” مع أنه محلّي جداً وليس حتى عربياً، بعد طول انقطاع وبعد دورة كانت فقيرة وبائسة العام الماضي. غاية وزارة الثقافة البعثية من وراء المعرض، تجميل وجه المدينة وإزالة رماد المأساة وغبار المعارك العنيفة عنه، والزعم أن النشر السوري لا يزال على قيد الحياة وأن الدولة تشجع مواطنيها على القراءة وتوفر لهم مناخاً من الحرية… لكنّ المعرض، كما أفادت مقالات بعض الصحافيين والتقارير التي رفعت، لم ينجح في جلب الزائرين أو القراء ولا في تحقيق أرقام عالية في المبيع ولا في إحياء حال من الألفة أو الطمأنينة والحرية… معرض كئيب، كما قال لي صديق سوري، خائباً ويائساً، معرض لا حياة فيه ولا بهجة ولا ناشرين ولا كتّاباً ولا قراء… وفعلاً لم يشارك هذه السنة من الناشرين العرب سوى قلة قليلة معظمها من لبنان، أما الدور الأخرى فأرسلت بعضًا من كتبها عبر وكلاء أو اصحاب مكتبات. كان يهمّ وزارة الثقافة السورية إبراز الطابع العربي للمعرض وتشريعه أمام الناشرين العرب وكسر الحصار، لكنها فشلت طبعاً. وقال لي ممازحاً، ناشر لبناني شارك في المعرض إن المهم أن تبقى مشاركته سرية أو غير معلنة لئلا يخسر الاشتراك في بعض المعارض العربية المناهضة للنظام البعثي… لكنّ بضع دور سورية مهمة شاركت هذه السنة وأضفت على المعرض بعضاً من شرعية ويمكن اختصارها فعلاً في أربع هي: دار التكوين، دار ورد، دار نينوى، ودار الحوار. وتمكنت دار التكوين من إحداث حركة لافتة خلال المعرض بجديدها وفي دعوتها الباحث السوري الكبير فراس السواح من الصين وإقامة حفلات توقيع لكتبه التي أعادت إصدارها في طبعات جديدة. وفراس اسم كبير في حقل الدراسات الميتولوجية والدينية والإنتروبولوجية وفي الترجمة أيضًا، واختار قبل سنوات الهجرة إلى الصين والإقامة فيها. واستضافت دار التكوين أيضًا الشاعر والمترجم محمد عضيمي المقيم في اليابان وأقامت حفلة توقيع لكتبه الجديدة التي أصدرتها وكلها تدور في فلك الأدب والشعر اليابانيين. ومن وجوه المعرض أيضاً الشاعر والروائي عادل محمود الذي وقّع روايته الجديدة. غير أن المعرض لم يخلُ من الضجيج البعثي الذي أحدثه الكتّاب والشعراء الرسميون في أمسيات قيل إنها لم تجذب جمهوراً. هؤلاء حاضرون أصلاً في ما يشبه الدوام الرسمي.

لعل الجدوى الوحيدة التي يمكن استخلاصها من معرض دمشق هي إقبال جمهور من المواطنين على شراء ما أمكنهم شراؤه من كتب في ظل الضائقة المالية التي تشهدها البلاد.

الحياة