عسكري وظريف

عسكري وظريف

خالد القشطيني

رغم جدية الحروب ومرارات القتال، فإننا كثيراً ما نلتقي فيها بلمحات من الظرف والفكاهات وخفة الدم. أتذكر من ذلك القائد الفرنسي المارشال دوساكس. له كلمات خلدت في معظم اللغات. كان قد قالها لأحد الوزراء بعد عودته منتصراً بعد معركة إكس لاشابيل. ذهب إلى قصر فرساي لحضور مراسم التوقيع على معاهدة الصلح. فقوبل بحفاوة كبيرة نتيجة انتصاره البارع، ولكنه كان يدرك في صميم قلبه أن الحاضرين من الوزراء ورجال السياسة سرعان ما سينسونه، وعلى الأكثر ربما يحيلونه للتقاعد، كما حدث للمارشال مونتوغمري عند البريطانيين. تقدم أحد الوزراء لتهنئته على انتصاره البارع، فرد عليه دوساكس قائلا: «أنا أعلم ذلك جيداً. ولكن هذا لن يمنع من الوقوع في هوة النسيان. فنحن الضباط كالمعاطف، لا تفكرون بنا إلا عندما تشعرون بدنو هطول المطر».

لم تفارقه روح النكتة حتى في أحرج المواقف وتراكم الأخطار. كان يتفقد قواته في الجبهة وهو في عربة مع طبيبه الخاص سيناك. وكان القتال والقصف جارياً على قدم وساق. فتخوف الدكتور سيناك من ذلك ونبه المارشال إلى مخاطر وجودهما في عربة خفيفة وضعيفة في مثل هذا الموقف، فرد عليه قائلاً: «نعم هذا صحيح. أنزل زجاج نوافذ العربة»!

لا بد أن هذا الضابط القديم كان عنصراً نادراً بين إطارات القيادة وكبار ضباط الجيش الفرنسي. فقد اختلف عن الكثير منهم في عطفه وتعاطفه مع الجنود. وما في ذلك من غرابة. فروح الظرف والسخرية كثيراً ما ترتبط بالروح الإنسانية. ألح عليه رجال السياسة باحتلال منطقة معينة من ألمانيا. ولكن المارشال ظل يماطل في ذلك مؤكداً عليهم أن الموضوع سيؤدي إلى التضحية بعدد كبير من الجنود الفرنسيين. ثم أضاف إلى ذلك قوله، وهو ينظر في وجوه كبار القادة: «كان بالإمكان ذلك لو أن الموضوع توقف على التضحية ببضعة ضباط برتبة جنرال»!

وفي مناسبة أخرى، صادف أن شاهد المارشال دوساكس جندياً في طريقه إلى الإعدام، بعد أن صدر عليه ذلك الحكم نتيجة اختلاسه ستة فرنكات من خزينة الجيش. وكان الجندي من فصيلة رماة القنابل اليدوية، أو الرمانات، التي يزجونها اعتياديا في الصف الأمامي من المعركة. توقف دوساكس ليستفسر عن أمر هذا الجندي. وعندما أخبروه بالأمر خاطبه قائلاً: ينبغي أن تكون بائساً جداً لكي تغامر بحياتك من أجل ستة فرنكات.

فأجابه الجندي قائلاً: «إنني يا سيدي أغامر بحياتي في كل يوم من القتال لقاء مبلغ أقل من ذلك بكثير»!
أدرك المارشال حكمة الجواب فابتسم وأصدر أمره بالعفو عن ذلك الجندي. وكان مثله دليلاً آخر على روح الإنسانية التي اتسم بها هذا القائد الكبير.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎