6 أغسطس

نسخة جديدة من حكاية "طائر اللقلاق"

نسخة جديدة من حكاية "طائر اللقلاق"

بما أن دور النشر للأطفال في العالم العربي قد أغلقت فهذه قصة للكبار قصة راع تلجأ إليه الطيور الهاربة من فظاظة القتلة.

هذه ليست حكاية في كتب الأطفال. وفي أي حال، لم تعد للأطفال كتب في بلادنا. شاخ الأطفال باكًرا ولم يعودوا يصدقون شيئًا. حتى الزهور وألوانها، وانتشار النجوم على هذا النحو المنتظم في السماء بعد كل غروب، لم تعد تدهشهم أو تفرحهم. لقد حذفت مرحلة الطفولة في هذه المنطقة. فإن نصف الذين ولدوا هم مشردون بين الأرض والمياه المالحة. والذين سيولدون ليسوا موعودين بأكثر من ذلك. لذلك، صار المولودون يفضلون، بحكم التجربة أو النصيحة، أن يحذفوا فقرة الطفولة من قصة الحياة. وتلقائيًا، توقف مؤلفو كتب الأطفال عن التأليف، وانصرف الناشرون إلى كتب الكبار وحدها.

 سوف تعتقد أنني أبالغ، توسلاً لإطراء أو تربيت على الكتف دلالة الرضا. إن ذلك ممكن في حالات كثيرة، لكن في هذه الحالة، رجاء أن تصدقني: وقفت أمس أمام جناح الكتب الجديدة. العربية طبعًا. معظمها تضم عناوينها كلمة الموت. بعضها يحمل كلمة الحرب. بعضها الانهيار. بعضها الشؤم والبلى والنوازل. تكاد تخرج هاربًا من المكتبات التي كانت مأواك. فأي جليس هو هذا الجليس؟ وأي أنام هي هذه الأنام؟ وأين، للمناسبة، اختفى جناح كتب الأطفال؟ لكن أي أطفال؟ إنهم في الشوارع بلا سقف، أو يلهون بين أكياس القمامة، أو في الخيام، ينتظرون زوال الشتاء لكي يبدأوا في انتظار زوال الحر. اللعنة على الفصول، لماذا لا تستقر على الربيع وتدير ظهرها للشمس وللغيوم!

 وفي أي حال، هذه ليست حكاية من كتب الأطفال. إنها من صحف بيروت. كل عام في مثل هذا الوقت، تمر في سماء لبنان أسراب من طيور اللقلاق. ويخرج إليها اللبنانيون بالرشاشات. طيور لا تؤكل ولا تُشوى ولا تُحشى. فقط تهاجر. ولكن اللبنانيين يخرجون إليها بالرشاشات.

 أحد هذه الطيور سقط جريحا فوق سهل عّكار. فوقع قرب راعي غنم شاب معه قطيعه. لم يقتله، ولم يجهز عليه. حمله إلى حيث سقاه، ثم تركه يرعى مع قطيعه. ولم يعد اللقلاق يريد أن يكمل طريق الهجرة. إنه الآن في سهل عكار، يرعى مع الغنم ويداعب الحملان، ويلحق بالراعي الشاب كلما اختفى عن أنظاره، ظانًا أنه سوف يتخلى عنه.

وبما أن دور النشر للأطفال في العالم العربي قد أغلقت، فهذه قصة للكبار. قصة راع تلجأ إليه الطيور الهاربة من فظاظة القتلة.