مصر لا يليق بها! – إرم نيوز‬‎

مصر لا يليق بها!

مصر لا يليق بها!

سليمان جودة

واحد من أشهر وزراء الخارجية العرب، عرض ذات يوم، أن يشترى بيت فاروق حسنى على النيل، ولم يكن يعرض شراءه، لأنه يطل على النهر الخالد، فما أكثر البيوت المماثلة، التى تملك الموقع نفسه، ويستطيع الوزير العربى، أو غيره من الإخوة العرب، أن يشتريها، وأن يدفع فيها ما يشاء!

كان الوزير العربى يتقدم بعرضه، ويتمسك به، لأن البيت كان قطعة من الفن المعمارى الرفيع، وكان يمثل متعة بصرية لكل واحد يمر عليه، أو تقع عيناه على منظره العام!

وكان فاروق حسنى فناناً، قبل أن يكون وزيراً، وقد بقى فناناً بعد أن غادر الوزارة، وقد عاش يعرف أن فنه هو الباقى، لا منصبه، وعندما جاء ليبنى بيته هناك، بعد أن اشترى مساحته من أحد أبناء المنطقة، لا من الحكومة، فإنه صممه ليكون بيتاً لفنان عاش الفن وعرفه فى أوروبا، لا بيتاً لصاحب منصب هو زائل بطبيعته، ولذلك، كان البيت على درجة كبيرة من الذوق العالى، وكان وكأنه متحف يمتلئ بآيات من الفن، لفنانين كبار داخل وخارج البلد، أكثر منه منزلاً يسكنه إنسان!

وكان حسنى قد قال، مراراً، إنه يريده بعد عُمر طويل، متحفاً يضاف لمتاحف الدولة، وإنه يرغب فى أن يقضى حياته فيه، لا أكثر، وكان جاداً تماماً فيما قاله، لولا أن جاءت ٢٥ يناير، فأرغمته على أن ينتقل إلى سكن آخر قريب من مرسمه فى وسط البلد، ثم عليه أن يغلق البيت على النيل بعد أن جاء مَنْ يهدد باقتحامه، ضمن الفوضى التى كانت قد سادت وقتها!

وجاء صاحب أعمال عربى كبير اسمه شاهر عبدالحق، يعرض شراءه، واشتراه بالفعل، ليس لأنه على النيل، وإنما لأنه بيت من بيوت الفن، والذوق، والجمال!

كان أسبق إليه من الوزير العربى، الذى عرض الكثير فى مقابل إتمام الشراء، ولكن عبدالحق كان يعرف قيمة الفن فى البيت أمامه، بقدر ما يعرف قيمة المال فى يديه، فلم يقبل التفريط فيه، رغم الثمن المغرى المعروض!

وقبل ثلاثة أيام، جاء رجل على بلدوزر يتحدث باسم الدولة، من أجل مهمة واحدة، هى أن يشوه المكان قدر الإمكان، وأن يُهيل التراب على وجوه الإبداع فيه، قدر المستطاع، وأن يحوله إلى خرابة على النيل!

كان شاهر عبدالحق يفكر فى أن ينقل جانباً من أعماله فى بلده، إلى القاهرة، وكان فى غاية الحماس، ولست أعتقد أنه يحتفظ بحماسه القديم، الآن، ولا بجزء منه، بعد أن جاءته الأنباء وهو فى الخارج، أن بيته الذى كان يزهو به ويفتخر، قد صار أقرب إلى كومة تراب، رغم أن تراخيص بنائه لا تنقصها ورقة واحدة!

لو أني مكان الرئيس، ثم وجدت هذه المعلومات أمامى، لأرسلت خطاباً من عبارة واحدة إلى الهيئة الهندسية، موجهة إلى اللواء كامل الوزير تقول: يُعاد البيت إلى ما كان عليه!

مصر كانت دائماً بلداً للفن، وكان العرب، وربما لا يزالون، يأتون إليها لهذا السبب، ولا يمكن أن يأتى عليها يوم تدمر فيه واحداً من بيوت الفن، عن قصد، وعن عمد!

من حق مصر أن تمارس شجاعتها، بل من واجبها، ولكن لا يليق بها أن تمارسها على رجل أعزل.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com