عدن بأي ذنب دمرت  – إرم نيوز‬‎

عدن بأي ذنب دمرت 

عدن بأي ذنب دمرت 

قاسم عبد الرب العفيف

عدن أم المدن في جنوب الجزيرة العربية.. عدن كانت موجودة منذ الأزل وتبادلتها دول.. عدن مدينة التعايش والوئام، مدينة تعدد الأديان والأجناس، مدينة النظام والقانون، مدينة الثقافة والحضارة والرقي.. اليوم أين هي من كل ذلك؟ وما هي أحوالها وما آلت اليه أوضاعها التي لا تسر عدوا ولا صديقا؟.. عدن اليوم تواجه تحديات صعبة تستهدف أمنها وتعايشها بل ومستقبلها.

التمس عذرا من الجميع عن صراحتي لما سيتم التطرق اليه حول عدن وأحوالها، ولكنها الحقيقة المرة، اذا أردنا أن نصحح الوضع علينا وضع النقاط على الحروف.

بعد التحرير مباشرة جاء من يحولها إلى ساحات حرب لعصابات ظلام تعيث في أحيائها قتلا وتدميرا.. سفكت دماء الأبرياء في شوارعها وخلقت جوا من الرعب اعتقادا منها  أنها يمكن أن تحول المدينة  إلى إمارة داعشية، لكن خاب ظن من أراد لعدن الدمار، بفضل الله والتحالف العربي ممثلا بدولة الإمارات وأبطال الأمن  والحزام الأمني في عدن تم القضاء على هذا الغول الجارف والمدمر للحياة وخسر الرهان على الإرهاب وسقطت تلك الورقة التي يستخدمها عديمو الضمير والأخلاق،  وحيث فشلت خطة الاٍرهاب جاء من يبتز عدن من خلال تعطيل الخدمات الأساسية والضرورية من كهرباء وماء أدت إلى خروج منظومة الكهرباء بشكل شبه كامل وتم ذلك عبر خروج المحطات عن التشغيل لأسباب غير معروفة أو بسبب عدم توافر المشتقات النفطية وتركت أوضاع الكهرباء دون تدخل حكومي حقيقي وكان الأمر لا يعنيها وازدادت معاناة الناس تفاقما وسوءا.

ولم يقتصر الأمر على ذلك وإنما يتم حجب المرتبات لشهور عديدة عن عشرات الآلاف من السكان وإن تم توفير جزء منها يتم تشكيل لجان تقوم بابتزاز المواطنين باستقطاعات غير قانونيه من تلك المرتبات الزهيدة، وحتى الآن لا زال الآلاف دون مرتبات لمدد تصل إلى ثمانية أشهر.

اليوم تعيش عدن على صفيح ساخن الصيف الثالث بعد تحريرها، مع الأسف يتصارع على أرضها ناكرو الجميل الذين في يوم من الأيام احتضنتهم وآوتهم ودرستهم وسكنتهم ووفرت لهم سبل العيش الكريم وكان الجزاء التدمير والإذلال وقطع الرواتب والكهرباء والمياه، كل هذا من أجل ماذا وابتدعوا حربا جديدة حرب الخدمات الضرورية التي من دونها تتحول عدن في فصل الصيف إلى ما يشبه البركان من حر الصيف، ولم يكتف هؤلاء بهذا بل نشروا المعسكرات والميليشيات في أرجائها وتقسمت إلى مربعات كل منهم لديه ألويته وكتائبه وميليشياته وتحولت الشوارع إلى متاريس ونقاط تفتيش وإلى ميادين احتراب بين هذا المكون وذاك الفصيل، يتحركون من شارع إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى دون وازع من ضمير أو أخلاق.. إن هناك سكانا من مختلف الأعمار في تلك الحارات والمدن يريدون أن يعيشوا بسلام وأمان .

الحرب انتهت منذ سنتين وأكثر ونفاجأ بعدد من الألوية والمعسكرات والميليشيات بعضها بين الأحياء السكنية.. السؤال لماذا كل هذه الجيوش في عدن؟ ومن تخدم؟  ولماذا لم تذهب إلى جبهات القتال وتعسكر قريبة منها؟.. كل يوم يتفجر معسكر كما حدث في   معسكر جبل حديد وتبعه بعد ذلك معسكر مصنع الغزل والنسيج ويصاب السكان بالصدمة من هول المخزون من المتفجرات التي تتساقط على الناس وهم في منازلهم آمنين، بل ويقتل الأبرياء من المجندين الجدد وهم يقفون طوابير أمام بيوت من يسمون أنفسهم قادة في خورمكسر، إما لصرف المرتبات أو تسجيلهم للتجنيد وكما حدث في حي القاهرة أيضا ويتم ترحيل العشرات منهم إلى المقابر.. حدث ويحدث مثل ذلك ويمكن أن يحدث في المستقبل؛ لأن ذلك يتم خارج النظام والقانون ولم يخجل أحد من هؤلاء المسؤولين، وكيف يخجلون ولم يسائلهم أحد عن أفعالهم المشينة هذه.

 السؤال المطروح لماذا كل هذا العقاب لعدن ومن الذي يتحكم بمصيرها حتى أصبحت بهذا الوضع المأساوي؟ وهل هناك من يريد معاقبة عدن لأنها استطاعت أن تحرر نفسها من الغزو الحوفاشي الإيراني وأيضا تمكنت من الدوس على الخلايا النائمة للإرهاب والتي تمولها القوى الحاقدة على أمن واستقرار عدن، فالغزو والإرهاب وجهان لعملة واحدة  وأمن واستقرار عدن لا يروق لمن يحاول جاهدا سرقة نصر عدن ذلك  النصر الذي حققته عدن بدماء أبنائها وصمود سكانها الأسطوري، وهؤلاء موجودون وطارئون على عدن وأهلها ومعروفون للقاصي والداني.

من خلال التصرفات و التي هي ظاهره للعيان والمتمثلة  بتعطيل  الخدمات الضرورية من كهرباء وماء وتأخير صرف المرتبات وإنشاء  العديد من المعسكرات  في أحياء عدن وعدم الشروع بإعادة الإعمار وغير ذلك فهي تصرفات تتحمل المسؤولية عنها  الحكومة الشرعية والسلطة المحلية وما ينتج عنها من مسؤولية جنائية  تجاه ما يحدث لعدن وسكانها المسالمين من أضرار وأعتقد  أن هذه التصرفات تندرج تحت بند جرائم الحرب، هناك العديد من السكان يعيشون تحت خط الفقر وهناك البعض منهم دون مأوى جراء تهدم منازلهم أثناء الحرب، وهناك من يموت من جراء انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الخدمات الصحية، وانعدام الأمن رغم تواجد الجيوش الجرارة في أحياء عدن المختلفة.

  وجود العشرات من المعسكرات في أحياء عدن يتحمل مسؤوليتها من  يوفر لها المعاشات والرواتب ويديم استمراريتها فمن هم يا ترى؟ وماذا يريدون من هذه المعسكرات في عدن؟.. عدن محتاجة الى قوة موحدة أمنية تحت قيادة وإشراف إدارة الأمن تقوم بحفظ الأمن في عدن ويتطلب أن تكون هذه القوة من أبناء عدن والساكنين فيها، قوة مدربة تدريبا مهنيا فنيا ومجهزة بكامل تجهيزاتها المعروفة والخاصة بحفظ الأمن.

عدن ليست بحاجة إلى هذا العدد الكبير من الوحدات والمعسكرات المتنافرة والتي لا يجمعها ولا يربطها أي رابط.. عدن يجب أن تكون خالية من الوحدات العسكرية المنفلتة وهناك جبهات لا زالت ملتهبة فالأحرى أن يتم توجيههم إلى هناك.

همسة في إذن المقاومين الذين يحتفظون بقوات لهم في أحياء المدينة، نقول لهم عدن لا تتحمل وجود قوات دون أن يكون لها مهام محددة في حفظ الأمن، لا تكونوا أداة تدمير لعدن بعد أن كُنتُم رواد تحريرها، ارحموا شعبكم الذي لولا موقفه الصامد معكم لما حققتم أي انتصار، لذا كفى استغفالكم من قبل الممولين لكم لأهداف وأغراض أخرى تثير الشبهات .

حان الوقت لكي يقول التحالف العربي كلمته في ما يجري في عدن فهو الراعي للجميع، ولا أعتقد أن مثل هذه التصرفات المعادية لعدن وسكانها يمكن السكوت عنها، ولابد من قول الفصل في ذلك.. هناك من الشرعية من يستخدم تلك التصرفات لأهداف وأغراض سياسية منها سرقة نصر عدن والجنوب لصالح فصيل من الشرعية، وهذا ما نراه من تركيع للسكان من خلال تعطيل الخدمات الضرورية وإغلاق الأمن والاستقرار ومن خلال ترك الميليشيات تنتشر في كل حي، وعدم أخذ الإجراءات القانونية المتبعة بعد انتهاء كل حرب، ورفع كل مظاهر العسكرة في المدينة وإعادة الأمن والسكينة للمواطنين .

همسة في إذن الشرعية نصر الجنوب لأهله ولا يجب أن يستخدم فصيل منها أي الشرعية في محاولة سرقته في حين ذلك الفصيل لم يستطع تحقيق أي نصر في جبهات أخرى هو يتحمل فشلها، وفي الواقع الأحزاب جميعها أثبتت فشلها في معركة التحرير، وأثبت أن للشعب كلمته في تحقيق الانتصارات، لذا من غير المنطقي أن تظل النخب الحزبية تتصدر المشهد على حساب تضحيات الآخرين.

وهمسة أخيرة للجميع، إن الفساد أصبح منتشرا مثل السرطان في الإدارة والمجتمع، وحان وقت اقتلاعه من جذوره، بعد أن أصبح يلتهم كل المساعدات وخيرات البلد، وهذا يتطلب تنقية الإدارة ودعمها بعناصر نزيهة تقود عملية البناء في المرحلة الراهنة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com