الأزمة الليبية رهن إيجابيات لقاء السراج – حفتر

الأزمة الليبية رهن إيجابيات لقاء السراج – حفتر

عبدالوهاب بدرخان

غداة نجاح أبوظبي في جمع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، وإعلانهما التوافق على جملة مبادئ وخطوات لدفع الحل السياسي للأزمة في ليبيا، تشكّل إجماع ليبي وإقليمي ودولي على اعتبار هذا اللقاء بداية واعدة وجدّية. وزادت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للعاصمة الإماراتية ومشاوراته المشتركة مع ولي عهد أبوظبي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد والشخصيتين الليبيتين من المراهنات الإيجابية على استعادة أجواء الحوار والمشاركة بين الأطراف الليبية للخروج من نفق الانقسامات وأشباح التحارب الأهلي ومخاطر التقسيم. ولعل لقاء آخر جمع قبل أسبوعين رئيسي مجلس النواب ”عقيلة صالح“ ومجلس الدولة عبد الرحمن السويحلي ساهم أيضاً في التمهيد للقاء السراج – حفتر وتضييق إطار الخلاف بينهما.

بمعزل عن أي خلفيات دولية وإقليمية تبقى هذه المبادرة عربية، وقد برهن الطرفان ارتياحهما إليها، ذاك أن قصر اعتمادهما على دعم غير عربي يرسّخ شكوك كلٍّ منهما في نيات الآخر وتوجّسه من أهدافه. فبعد مناورات استمرّت أكثر من ثلاثة أعوام أدرك كل طرف حدوده وإمكاناته، مقدار ما أدرك تعقيدات التدخّلات الخارجية وصعوبة التعامل مع أجنداتها. يضاف إلى ذلك أن الأزمة الليبية تفجّرت في سياق استعدادات دولية وإقليمية للتعامل مع ما اعتبرته صعوداً لـ ”تيار الإسلام السياسي“، لكن أحوال هذا التيار تغيّرت إلى انحسار لأسباب تتعلق إمّا بإيديولوجيته ومفاهيمه للحكم أو بنقص خبرته في إدارة الدولة والاندماج في المجتمع الدولي، ثم أن تغليب مصالح الفئات والجماعات والميليشيات، على حساب هدف واجب هو إنهاض الدولة ومؤسساتها، ما كان ليوفّر لأحد البيئة الوطنية التي تحقق أهدافه، بدليل أن الصراعات أضعفت مقوّمات الاقتصاد وهدّدت وحدة الأرض وعرّضت النسيج الاجتماعي للتمزّق.

لا أحد ينتصر أو يربح في أي نزاع أهلي، ولا إقليم يبلغ الاستقرار الذي ينشده بالانعزال وانقطاع التواصل، ولا طرف يكسب بتعريض مواطنيه للخوف الأمني الدائم ولصعوبة العيش في مدينته وبلدته وبيته ولمذّلات النزوح والتهجير. لذلك يُفترض في لحظة تاريخية ما تجاوز الاعتبارات الفئوية الضيقة وفتح الآفاق أمام مستقبل يتشاركه الجميع ليجعله أفضل مما كان قبل ”الثورة“ وبعدها… كل هذه الاعتبارات تجد صدى لها في بيان وزارة الخارجية الإماراتية التي سجّلت أن لقاء السراج – حفتر يُطلق زخماً لا بدّ من البناء عليه ”لإيجاد حلٍّ سريع وشامل ومستدام“ للأزمة الليبية. هذه توصيفات دقيقة للحل ضماناً لنجاحه، فالسرعة والشمول ممكنان لأن حوارات الليبيين واتفاقهم السياسي المبدئي في الصخيرات ونقاشاتهم المستمرّة لتعديله، أزالت الكثير من العقبات، لكنها كانت تحتاج إلى استعادة الثقة أو بنائها، ويعوَّل على تفاهمات (السراج – حفتر) في أن تكون أحدثت اختراقاً في جدار الشكوك. أما إضاعة مزيد الوقت، فمن شأنها أن تتيح للمراهنين على الانقسامات فرصاً لتخريب الجهود المبذولة لتفعيل الوفاق والتعاون على حل الأزمة.

كانت العقدة التي حالت سابقاً دون لقاء (السراج – حفتر)، وبالتالي دون إطلاق عملية مبرمجة للتوصل إلى حل سياسي، أن موقف حكومة الوفاق ورئيسها لم يكن واضحاً من الجيش الوطني ومكانته ودوره وكذلك من قائده. ولعلهما تمكّنا من بتّ نهائي لهذا الإشكال، فحتى المجتمع الدولي الذي يدعم حكومة الوفاق، رغم تعدّد مواقفه وتناقضها أحياناً، أخذ في الاعتبار ضرورة الحفاظ على الجيش الوطني، كونه الضمان المستقبلي الوحيد للدولة. ومما أُعلن عن اللقاء أن الطرفين ناقشا وضع ”استراتيجية كاملة لبناء الجيش الليبي الموحد وتطويره وفقاً لأحدث المعايير والمواصفات“، مع ”تأكيد انضواء المؤسسة العسكرية تحت السلطة المدنية“. وفي هذا المجال لا بدّ أن المشير حفتر عرض تصوّراً كاملاً للضمانات التي يحتاجها، إذ أن علاقة الجيش والسلطة المدنية مرتبطة باعترافهما واحترامهما منظومة واجبات وحقوق تحكمهما معاً. ولا شك أن الوضوح الدستوري والعملي لهذه العلاقة سينعكس إيجاباً على الداخل، ومن شأنه أن يحلّ عقدة أخرى برفع التحفّظات الخارجية عن تسليح الجيش، خصوصاً أن مخاطر الإرهاب لا تزال ماثلة.

الخبر الجيد أن هناك برنامجاً لاجتماعات اللجان المختصة في القاهرة، وأن بعثة الأمم المتحدة في صدد تنشيط خططها لتنفيذ مخرجات الاتفاق السياسي وفقاً لمواعيد زمنية ملزمة، ما يعني تحسّس الجميع ضرورة السرعة في العمل. لا شك أن التوافق على المسائل السياسية مهمة حيوية، لكن عودة المهجّرين والنازحين وتحقيق المصالحة الشاملة وتوحيد المؤسسات والانكباب على المشاكل الاقتصادية والمالية ومشاريع إعادة الإعمار… كلّها استحقاقات ينتظرها الليبيون، بل يعطونها الأولوية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com