فرنسا: ترنح الواقعية وانتحارية المغامرة

فرنسا: ترنح الواقعية وانتحارية المغامرة
FILE PHOTO: Marine Le Pen, French National Front (FN) political party leader and candidate for the French 2017 presidential election, attends the 2-day FN political rally to launch the presidential campaign in Lyon, France February 5, 2017. REUTERS/Robert Pratta/File Photo

حسام عيتاني

كائنة ما ستكون نتائج الانتخابات الرئاسية اليوم، لا شيء ينبئ بأنها ستخرج فرنسا، واستطراداً أوروبا، من المأزق السياسي والاقتصادي الحالي. لا شيء يقول إن الصراع بين «المؤسسة» وبين خصومها سينتهي لمصلحة الأولى ولا إن عقارب الساعة ستعود الى الوراء.

من أهم ما فعلت الحملة الانتخابية أنها أنهت التبادل المستمر منذ أربعة عقود بين الاشتراكيين والديغوليين (المنضوين تحت لواء حزب الجمهوريين)، وسلطت الضوء على نجاح مارين لوبن في توسيع صفوف جبهتها الوطنية والانتقال بها من بقايا اليمين الفاشي والجنود السابقين في حرب الجزائر وبعض عناصر «منظمة الجيش السري» الى حزب ذي قاعدة عريضة يتماهى خطابها المعادي للأجانب وللاتحاد الأوروبي مع مخاوف عززها تدهور وضع فرنسا على الساحة الدولية وتنوع المشكلات الاقتصادية التي تواجهها.

هذه القاعدة التي تعطيها استطلاعات الرأي أربعين في المئة من نسبة الناخبين تختلف جذرياً عن تلك التي صوتت لجان – ماري لوبن في 2002. ولا يحد من هذا التأييد، على ما يبدو، المستوى المزري لاطلاع مارين لوبن على الواقع الاقتصادي الفرنسي، على ما ظهر في مناظرتها الأخيرة مع منافسها ايمانويل ماكرون. ففي مواجهة الأرقام والتفاصيل التي قد ترهق المشاهد، فضلت لوبن سلوك طريق الاتهامات حتى لو كانت غير دقيقة. اتهامات «غبية» كما وصفها ماكرون في المناظرة المذكورة، لكنها تجلب مع ذلك الغباء – وربما بفضله – انتباه المشاهد وتعاطفه مع طرف يدعي العفة في مقابل «رجل المصارف» الملوث بشبهة الفساد حتى قبل أن يقول كلمة واحدة.

كما كشفت الحملة أن «اليسار الجذري» الذي تولى قيادته المسؤول السابق في الحزب الاشتراكي، جان-لوك ميلونشون، ما زال يراوح في ساحات الاعتراض الانفعالي ولم ينتقل الى صوغ برنامج واقعي، وأن المراهقة السياسية ما زالت هي العنوان الأسهل لإعلان رفض النظام على ما فعل ميلونشون بامتناعه عن الدعوة الى الاقتراع لمصلحة ماكرون، حتى لو عنى ذلك تأييداً غير مباشر للوبن. ولا ريب في أن انهيار الحزب الاشتراكي الذي سبقه انهيار الحزب الشيوعي، يترك فراغاً واسعاً على الساحة الفرنسية ويغير صورتها الراسخة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تغييراً عميقاً. لكن ذلك لا يعني أن اليسار البديل أو الجذري، كما يرغب أنصاره في وصفه، قد بلغ المرحلة التي تجعله يحتل موقعاً وازناً في فرنسا. فالإطناب في مديح الرئيس الروسي المتسلط وتأييد مجرم الحرب بشار الأسد، يطرح أسئلة حول منظومة القيم التي يحملها هذا اليسار والأسلوب الذي سيدير به بلاده، اذا قيد له تولي حكمها، أكثر مما يشير الى خلل في قراءة حقائق العالم والسياسات الخارجية ومعنى الانحياز الى الاستبداد ومديري سجون القتل الجماعي تحت شعار محاربة العولمة والرأسمالية.

أخيراً، هناك الأزمة العميقة في صفوف اليمين التقليدي الذي كان ممثله الأخير في رئاسة فرنسا نيكولا ساركوزي. لم تنل شخصياته التي تتمتع بالحد الأدنى من الاحترام مثل ألان جوبيه بتأييد يخولها الفوز في الانتخابات التمهيدية، ففضلت الانسحاب لمصلحة أسماء تشوبها الفضائح كفرانسوا فيون الذي استطاع أن يخاطب شرائح عريضة من الفرنسيين مستعيراً مواقف من اليمين الشعبوي، مدمجاً باستخفاف بالقضاء وإن لم يصل الى درجة ازدراء مارين لوبن بالدعوات الى المثول أمام المحققين. يفصح ذلك عن استعصاء في اجتراح ديغولية جديدة في ظل الانحسار السياسي والاقتصادي.

الفوز المتوقع مساء الأحد لماكرون (إذا لم يفاجئ الفرنسيون أنفسهم والعالم بانتخاب مارين لوبن) لن يكون نهاية الطريق بالنسبة الى التغييرات العميقة في فرنسا وأوروبا. لكنه سيحدد، على الأقل موازين القوى بين واقعية متراجعة ومأزومة وبين دافع انتحاري الى المغامرة.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة