عن الأخبار التي قرأناها في الجريدة

عن الأخبار التي قرأناها في الجريدة

موسى برهومة

كان الناس، قبل عهدهم الجديد مع انفجار عالم الاتصال المتتابع، إذا أرادوا أن يحشدوا لفكرة، أو يؤكدوا صدق معلومة قالوا: لقد قرأناها في الجريدة، أو سمعناها في المذياع، أو شاهدناها في التلفاز. وكانت لهذه المنصّات صدقية وافرة، وتمنح الكائنات بعضاً من الطمأنينة، وربما تساعدهم في رسم مسارات حياتهم وفقاً لما قالته الجريدة.

الإنفجار التكنولوجي، من حيث هو هِبة التطور والحضارة وانفجار العقل الخلّاق، أطاح تلك الصدقية، بعدما أضحت تلك المنابر الإعلامية جزءاً من منظومة «البروباغندا» التي تُزيّف الأخبار وتفبرك الصور والفيديوات على نحو يكاد يُصيب الحقيقة في مقتل.

مواقع التواصل الاجتماعي، جلّها، طافحة بالأخبار المفبركة الكاذبة. وساهم تعميم فكرة «المواطن الصحافي» في شرذمة روح الأخبار، وتمزيق أوصال المهنية، وأضحت المشقة مضاعفة أمام وسائل الإعلام الرصينة كي تتثبّت من الأخبار، وتتأكد من سلامة الصور والرسوم والأرقام، بعدما صارت الأخيرة لعبة محرّفي الأنباء والتقارير، وميدان ادعاءاتهم.

وما يصيب الإنسان بالدهشة أنّ بعض من يزوّر الأخبار يشتمل على خبرة حياتية وشهادة علمية وموقع اجتماعي ومركز سياسي يجعله يدقق، ولو لبرهة، في صحة ما ينشره أو يذيعه. وقد هال كثيرين في الأردن، على سبيل المثال، قيامُ نائب في البرلمان بنشر معلومات على صفحته على «الفايسبوك» عن موازنة المملكة، نقلاً عن موقع في أميركا زعم أنّ مجموع إيرادات الأردن السنوية يبلغ أكثر من 46 بليون دولار، وأنّ مصاريف الدولة كلها لا تتجاوز الثمانية بلايين دولار، ما يعني أنّ الوفر السنوي أكثر من ثمانية وثلاثين بليون دولار، وبالتالي فإنّ الأردن لا يعاني من أزمة مديونية، وإنما من أزمة فساد!

لا بأس أن تكون معارضاً لسياسات بلدك، ولكن من البؤس أن تجمّل تلك المعارضة بتزوير الحقائق، طمعاً في شعبية عابرة. فالمعارضة الحقيقية تبني ولا تهدم. ومن شأن أرقام كهذه، ينشرها الموقع العربي في أميركا منذ أربع سنوات، أن تثير بلبلة بين الناس الذين يثقون بالنائب ويعتبرونه رائدهم وصوتهم بالحق.

في الزمن الجميل الآفل، كنا نشكو من هيمنة السلطات على وسائل الإعلام، وتقليمها أظافر المعلومات حتى لا يبقى منها شيء. والآن نشكو من تسونامي المعلومات، حيث لم يعد بمقدور الإنسان العادي التحقّق المستمر من صدقيّة ما تلتقطه حواسه، ما يجعل عودة الرقيب، في ثوب «ديموقراطي» وحضاري أمراً حيوياً، بعدما سقطت الرقابة الذاتية الأخلاقية، وتشظت قيم الحوار والخلاف والاختلاف، وأضحى الضرب تحت الأحزمة شعارَ المساجلات كافة.

والغارقون في حمّى الأخبار يدركون أنّ العولمة الإعلامية أعادت، في الجانب الطاغي منها، بعث النموذج الغوبلزي الذي أرسى قواعده وزير إعلام هتلر جوزيف غوبلز رائد مدرسة التضليل الذي بنى أسطورته على شعاره الذائع الصيت «إكذب… إكذب إلى أن يصدّقك الناس»، ويكفي أن يتنقّل المرء بين محطات عربية عدة وهو يتثاءب أمام التلفاز ليدرك أنّ غوبلز حيّ يرزق بيننا، يتنفس هواءنا، ويحرّر ويبث أخبارنا، وينفخ فيها من تضليله الذي قاده ونظامه إلى الانتحار!

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com