نحو تغيير جذري في استراتيجية «تحرير الرقّة»

نحو تغيير جذري في استراتيجية «تحرير الرقّة»

عبدالوهاب بدرخان

تمضي عملية تحرير الجزء الغربي من الموصل العراقية في مرحلتها الصعبة والأخيرة، وسط حالات مترجّحة بين انهيار مقاتلي تنظيم «داعش» واستسلامهم في بعض المناطق، وبين استعداد للقتال الشرس واستخدام الكثافة السكانية كدرع بشرية. والملاحظ أن الاعتراضات على مشاركة ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية تقتصر حالياً على الأقطاب السنّة ووجهاء العشائر، فيما تمسّك الجانب الأميركي بأولوية حسم المعركة مركّزاً على حاجات القتال ومتطلّباته، وعلى العمل بما استطاع الجانب العراقي توفيره من قوات برّية، سواء كان جيشاً، أو شرطة، أو «حشداً». أي أن الأمر الواقع فرض نفسه على الجميع وأدّى إلى تجاوز الجدل من دون أن يستطيع تجاوز حقائق الأرض والبيئة الاجتماعية، وأن إلحاح التخلّص الآن من «الشر القائم» يغلب على الانشغال بـ «الشر القادم»، أي بـ «ما بعد داعش». لكن الحديث الأميركي عن إقامة قاعدة وزيادة عدد القوات يبدو أكثر ارتباطاً بمخاطر المرحلة المقبلة منه بمرحلة التحرير الحالية.

ثمة دروس من الموصل العراقية ربما يظهر أثرها في الرقّة السورية. كان الاعتماد الأميركي على القوات الكردية المهيمنة على ما سمّي «قوات سوريا الديمقراطية» المطعّمة بفصائل عربية قد تمكّن من تحرير عدد من المدن والبلدات أبرزها «منبج»، لكنه أثار مشكلة إقليمية. فمن جهة رسّخت العلاقة المتقدّمة بين «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي والولايات المتحدة نوعاً من الاعتراف الأميركي بـ «كيان كردي» منفصل في سوريا، ومن جهة أخرى أطلقت هذه العلاقة إيحاءات إلى أكراد تركيا عموماً بأن اللحظة التاريخية حانت للمطالبة بـ «دولتهم». واستشعرت أنقرة خطراً كبيراً، خصوصاً بسبب الارتباط الوثيق بين «الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري و«حزب العمال الكردستاني» التركي، وكان الأخير أسقط الهدنة وباشر تنفيذ هجمات وعمليات تفجير ضد السلطة التي كانت جمّدت «عملية السلام» بحثاً عن تسوية سياسية داخلية مع الأكراد، وبالتزامن راح تنظيم «داعش» يكثّف عمليات إرهابية انتقاماً من تركيا التي قدّمت له تسهيلات في مرحلة سابقة ثم تحوّلت إلى محاربته.

رغم أن إدارة باراك أوباما أوحت بأن ثمة انسجاماً داخل صفوف «قوات سوريا الديمقراطية»، وأن لا مشكلة في مشاركة الأكراد في قتال «داعش» في الرقّة، إلا أن عرب هذه القوات كانوا مستائين من ممارسات رفاقهم الكرد في العديد من الوقائع التي استشعروا فيها بعداً عنصرياً وانتقامياً، لذلك نشطت عشائر المنطقة لإيجاد بدائل أو على الأقلّ لتغيير المعادلة. والواقع أن خيارات عدّة كانت، ولا تزال موجودة لكن الجانب الأميركي لم يحسن التعامل معها، من ذلك مثلاً ما توصّلت تركيا إلى فرضه كأمر واقع في عملية «درع الفرات»، إذ دفعت بوحدات من «الجيش السوري الحرّ»، التي تولّت تدريبها وتسليحها بمعرفة الأميركيين، وأشرفت مباشرةً وبتنسيق مع الروس على معارك تحرير جرابلس ودابق وأخيراً الباب. وبالتالي فقد بلورت تركيا خياراً قوامه الأساسي سوري لقتال «داعش» كبديل من المجازفة بالاعتماد على الأكراد.

في البحث عن استراتيجية جديدة لمحاربة «داعش»، أطلقت إدارة دونالد ترامب إشارات عدّة لا تخلو من واقعية. الأولى أنها تريد معالجة ثغرات «استراتيجية أوباما» وتبديد الغوامض والشكوك التي شابتها. وفي الثانية تؤكّد استعدادها لإقحام مزيد من القوات وللتعاون مع روسيا. وفي الثالثة، تُبدي تفهّماً أكبر لهواجس الحلفاء والأصدقاء وتشجيعاً لـ «تحالف إقليمي ضد الإرهاب» وقبولاً مبدئيّاً لمشاركة قوات عربية وتركية في معركة الرقّة. وفي الرابعة تتمسّك بالعلاقة مع الأكراد من دون أن تتيح لهم الانفلات في طموحاتهم على نحوٍ قد يشوّش على أولوية محاربة الإرهاب. ولعل الإشارة الخامسة تتمثّل في رفض واضح لمشاركة الميليشيات الإيرانية أو التابعة لإيران لما تضيفه إلى المعركة من صعوبات وتعقيدات.

يوشك «البنتاجون» على التوصّل مع الأجهزة الأخرى إلى الاستراتيجية التي طلبها الرئيس ترامب، ولا تعطي التحرّكات الجارية على الأرض فكرة واضحة عن الترتيبات المقبلة، بما فيها مشاركة قوات النظام السوري التي تطلبها روسيا. لكن الجهد الذي يرجّح تحقيق الأهداف العسكرية المتوخّاة، في العراق كما في سوريا، لا يزال يفتقد إلى جهد سياسي يواكبه ويدعم نتائجه. ورغم أن الثقل الأميركي هو الذي يحسم عسكرياً، فإن قدرته هذه لا تنعكس بالضرورة على المستوى السياسي، ففي البلدَين المنكوبَين اختلقت إيران واقعاً تتعذّر معالجة معضلاته من دون التفاوض معها. وتكمن المفارقة في أن مراعاة مصالحها تولّد صراعات دائمة، وأن تقليص نفوذها يديم الصراعات القائمة، ففي الحالين لا تشكّل إيران عنصر استقرار.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com