حرب ترامب مع «أقل الناس صدقيّة على الأرض»!

حرب ترامب مع «أقل الناس صدقيّة على الأرض»!

موسى برهومة

إذا ظل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصرّاً على مواصلة «الحرب على الإعلام» وضد «أقلّ الناس صدقيّة على الأرض»، فإنّ أغلب الظن أنه سيخسر معركته، لأنّ ما من أحد خاض مثل هذه الحرب وانتصر، والتاريخ يزوّدنا بتجارب عدة، كان للإعلام فيها الكلمة الأخيرة. ولترامب أن يتذكّر سلفه الجمهوري ريتشارد نيكسون، وكيف استطاعت «واشنطن بوست» التي يهاجمها ترامب دائماً أن تطيحه، وتمرغ هيبته بالتراب بعد فضيحة «ووترغيت».

ترامب النرجسي المهووس بعقدة النقد، لا يزال يعيش مرحلة ما قبل الرئاسة، ولا يعلم أنّ على طاولته الكثير من الملفات الاستراتيجية التي عليه أن ينجزها، قبل أن تنكشف عورته، وهو بالتالي أمام خيارين: إما أن يجسّر مع الإعلام، ويقيم علاقة ودّية متكافئة تحترم حرية النقد والتعبير، وإما أن يواصل الحرب الاستنزافية التي ستكسب منها، بلا أدنى ريب، وسائل الإعلام أخباراً وتعليقات ساخرة ومتهكمة تقوّض جهود ترامب وتقزّمها، وتسلط الضوء الساطع على مثالبه وزلّاته، وما أكثرَها.

المؤتمر الصحافي الأخير الذي عقده ترامب في البيت الأبيض، وهو أول إطلالة رسمية له على الصحافة، أظهر أنّ الرجل «راكب راسه»، ولا ندري ماذا يشير عليه معاونوه، ولماذا لا يجعلونه يرعوي، وهو يتصرّف في شكل أرعن فيسبّ الصحف ووسائل التلفزة، ويسميها بأسمائها من دون أية خشية من عواقب هذه الأفعال الخالية من الكياسة واللباقة والذكاء والمعرفة القانونية.

ربما لا يعلم ترامب ومستشاروه الذين يزّينون له سوء أفعاله، أنّ اتحاد الصحف ووسائل الإعلام الأميركية، ضمن ما يمكن أن يسمى «إئتلاف المضرّرين» قد يكبّده خسائر لا يتخيلها، حتى لو كان ذات يوم نجماً رديئاً في تلفزيون الواقع، أو مغرّداً شتّاماً هجّاءً لمعارضيه على «تويتر»، حالياً.

لقد أطاحت بنيكسون التحقيقات الاستقصائية التي أجراها الصحافيان كارل برنستين وبوب وودورد، وتعرضا في غضونها لأقصى الصعوبات والاتهامات الشخصية والمهنية، وحوربت خلالها «واشطن بوست» وتم ازدراؤها ووضع العراقيل من أجل دفعها إلى الإفلاس والإغلاق والهزيمة، لكنّ الصحيفة انتصرت، وظهر جلال الكلمة المطبوعة في مواجهة رعونة أدوات السلطة.

ويمكن للحادثة، التي جرت في 1974 أن تتكرّر مجدّداً لو اتفقت وسائل الإعلام الأميركية، التي يتهمها ترامب بالكذب ونشر الأخبار المغلوطة، أن تستقصي، عبر تقارير وتغطيات وتحقيقات، في علاقات ترامب التجارية والسياسية. ولعل منجم الذهب لمثل هذه الأخبار يكمن في علاقته الغامضة بروسيا، وما يقال عن ملفات سرية يحتفظ بها الكرملين من أجل ابتزاز رجل البيت الأبيض في المعارك والتحالفات السياسة المقبلة.

ترامب ليس نبيّاً، وهو كثير الأخطاء، وسيقوده نزقه إلى مزيد من المشكلات التي يتعيّن أن تكون عيون الإعلام مفتوحة ويقظة لالتقاطها، على أن يتمّ ذلك، وهذا أمر يتعين التأكيد عليه بشدة، وفق القواعد المهنية التي تلتزم الحياد والصدقية والتوازن، بعيداً من الثأرية وردّ الاعتبار، فحتى لو أنّ ترامب يخوض معركة غير أخلاقية، فالأوْلى بخصومه ألّا ينحدروا إلى درَكه.

وفي الأنباء أنّ استطلاعاً، أعدّه مركز «بيو» للأبحاث ونشرت نتائجه قبل أيام، أفاد بأنّ شعبية ترامب بعد شهر في السلطة، أكثر تدنّياً بأشواط من شعبية خمسة رؤساء سبقوه إلى المكتب البيضاوي، سواء كانوا جمهوريين أم ديموقراطيين. إذ يؤيد 39 في المئة من الأميركيين بالإجمال سياسته، بينما ينتقدها 56 في المئة.

في حربه المتواصلة ضد الإعلام التي زاد حطبَها في آخر إطلالته بقوله: «الأخبار ملفقة، واليوم صارت ملفقة جداً»، لا يبدو ترامب فرحاً، فهو بهذا الخطاب يكشف عن عناد هشّ سرعان ما يتمزّق، لأنّ المعركة في مآلاتها النهائية ليست مع الإعلام وحسب، بل مع الدستور الأميركي، وخصوصاً ما يتّصل بصون الحريات الفردية في التعبير والمعتقد والتجمع، وسواها مما يشكّل قلادة الديموقراطية الليبرالية!

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com