بوتين وأردوغان.. بين الأسف والاعتذار

بوتين وأردوغان.. بين الأسف والاعتذار

د. سامى عمارة

ما أشبه الليلة بالبارحة.. ما أن أعلنت انقرة عن مصرع عسكريين اتراك بنيران روسية في سوريا، حتى راح الكثيرون من العامة والخاصة، يستعيدون ما سبق وشهدته العلاقات بين روسيا وتركيا من ازمات ومضاعفات بلغت حدتها في عقب اسقاط القاذفة الروسية في نوفمبر 2015، باعلان الرئيس فلاديمير بوتين عن ضرورة تقديم نظيره التركي اعتذارا شخصيا، وهو ما اضطر أردوغان الى تقديمه، بل والسفر الى سان بطرسبورج للقاء بوتين وتسوية ما شاب علاقات البلدين من مشكلات وازمات.

أثار مصرع ثلاثة، واصابة 11 من العسكريين الاتراك في سوريا نتيجة تعرضهم لقصف الطائرات الروسية، الكثير من الجدل حول ما يمكن ان يكون عليه رد فعل الجانب التركي ، ومدى مسئولية موسكو تجاه هذا الحادث. ولذا فقد سارع الكرملين بتوضيح أبعاد الحادث من خلال عدد من الخطوات كان اهمها مبادرة الرئيس فلاديمير بوتين بالاتصال هاتفيا بنظيره التركي رجب طيب اردوغان، ليعرب له عن اسفه وتعازيه، مؤكدا وقوع الحادث عن طريق الخطأ، وهو ما قبله الرئيس التركي دون مضاعفات على غرار ما سبق وشهدتها علاقات البلدين عقب اسقاط الطائرة الروسية. ورغم وجود أوجه تشابه بين الموقفين، فان هناك ما يشير الى تباينات، تتعلق ربما، باختلاف الزمان والمكان.

دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين تناول اسباب الحادث بقوله «انها مفهومة، ولا يوجد خلاف عليها»، فيما عزا هذه الاسباب الى «استخدام القوات الروسية أثناء قصف الإرهابيين الإحداثيات التي تسلمتها من الشركاء الأتراك، وكانت تقول بعدم وجود عسكريين أتراك في المنطقة المستهدفة». لكن وعلى الجانب الآخر، ظهر من الجانب التركي من يقول بغير ذلك، حيث سارعت هيئة الاركان التركية الى دحض ما قالته المصادر الروسية حول تحرك العسكريين الاتراك الى مواقع لم يكن متفقا حولها.

وقالت ان العسكريين الاتراك لم يغيروا مواقعهم طيلة الايام العشرة الاخيرة. بل وزادت على ذلك بتأكيد انهم ابلغوا الملحق العسكري الروسي في انقرة، وكذلك المسئولين في قاعدة «حميميم» بإحداثيات مواقعهم في اليوم السابق لوقوع الحادث، بما كان يعني إلقاء مسئولية ما جرى على عاتق الجانب الروسي، الذي راح بدوره يفند ما قالته المصادر التركية عبر قنوات عديدة.

في هذا الإطار بادر الجانب الروسي بشرح ملابسات الحادث سواء من خلال ما صدر عن الناطق الرسمي باسم الكرملين، او عبر ما نشرته الصحف والاجهزة الاعلامية المعروفة «بالرصانة وحسن الاطلاع»، ومنها صحيفة «فيدومستي» الروسية التي اشارت نقلا عن شهود عيان ان «قوات الجيش السوري الحر الموالية للقوات التركية كانت تهاجم قرابة التاسعة من صباح التاسع من فبراير الجناح الايسر للقوات الحكومية السورية، ما اسفر عن تكبد القوات الحكومية خسائر كثيرة في الارواح الى جانب اسر بعض افرادها».

واضافت المصادر انه لم تكن هناك عناصر روسية للإرشاد، مع تلك القوات الحكومية لتحديد احداثيات القوات. وحين طلبت القوات الحكومية دعم القوات الجوية الروسية التي سرعان ما تحركت في اتجاه ريف مدينة الباب، كان الوضع قد تغير ودخلت القوات التركية الى المنطقة في اللحظات التي كانت تتساقط فيها القنابل الروسية فوق المكان. وكانت صحيفة «كوميرسانت» كشفت ايضا عن تفسيرات مماثلة في اطار ما قالته حول «ان القوات التركية تحركت الى منطقة الحادث التي كانت هدفا للقوات الجوية الروسية دون التنسيق مع القيادة العسكرية الروسية».

واضافت «أن الطائرات الروسية كانت أقلعت من قاعدة «حميميم» في محافظة اللاذقية السورية، بعد تحديد أهداف لقصفها في منطقة الباب، وأسقطت قنابل «دون أي انحراف كبير»عن الهدف، ويبدو أن العسكريين الأتراك تحركوا إلى المربع المستهدف في الوقت الفاصل بين تحديد الهدف وتنفيذ المهمة، دون التنسيق مع الجهات الروسية، فوقعوا تحت نيران القصف».

وكان الرئيس بوتين سارع وفور علمه بالحادث، بالاتصال بنظيره التركي أردوغان ليعرب له عن أسفه ويقدم تعازيه.

ولذا لم يكن غريبا ان يصل الجانبان، وحسبما اعلنت المصادر الروسية والتركية، الى اتفاق ضمني حول تجاوز الموقف والعمل من اجل تنسيق افضل بين قوات وقيادات البلدين، وكان بوتين واردوغان خلصا فى أول لقاء لهما فى سان بطرسبورج فى أغسطس الماضى الى ضرورة تجاوز الماضي والانصراف الى المستقبل لاستعادة ما سبق وتوصلا اليه من اتفاقات حول تطوير العلاقات الثنائية وخاصة في مجالات الطاقة والتجارة والاقتصاد وتنفيذ المشروعات الكبري، ومنها بناء محطة «اكيو» النووية، بتمويل روسي ، وبناء مشروع «السيل التركي» لمد انابيب نقل الغاز، الى جانب تعاون البلدين سواء فيما يتعلق بتسوية الازمة السورية، أو بمكافحة التنظيمات الارهابية ومنها «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما. وتلك كلها كانت قضايا تحظى باهتمام خاص من جانب موسكو التي كانت تبحث عن شريك اكثر فعالية للخروج من المأزق السوري، بعد ان صار واضحا ان الجانب الامريكي لم يعد معنيا بالتوصل الى الحلول المنشودة مع نهاية ولاية الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما، الى جانب توصل موسكو الى قناعة تقول بضرورة التركيز على البلدان الفاعلة في المنطقة وخاصة تركيا، وليس ايران ذات المصالح الطائفية والجيوسياسية في المنطقة وهو ما يبدو على طرفي نقيض من ايديولوجية وتوجهات موسكو.

ومن هذا المنظور توصلت موسكو الى تشكيل «الترويكا» من القوى الفاعلة في المنطقة وهي روسيا وتركيا وإيران، واعلنت عن وقف اطلاق النار في سوريا في 29 ديسمبر الماضي، وكذلك مبادرة «مشاورات الاستانة» بالاتفاق مع رئيس قازخستان نورسلطان نزاربايف. وذلك ما كان ينبئ ضمنا عن ان الزعيمين الروسي والتركى نفضا عن كاهليهما ما علق بهما من جراء حادث إسقاط الطائرة الروسية في سماء سوريا، وانهما في سبيلهما الى «علاقة خاصة» ثمة من يراها تفسيرا لكل ما اتخذاه من خطوات منذ ذلك الحين، ولتفهم موسكو وتجاوزها عن اغتيال سفيرها في انقرة في ديسمبر من العام الماضي، وقبول انقرة لاحقا لما طرحته موسكو من مبررات بشأن مصرع العسكريين الاتراك. وثمة ما يشير الى ان ما اتخذه ويتخذه الرئيس التركي من قرارات وخطوات على صعيد التعاون والتنسيق مع موسكو في سوريا، يمكن ان يكون تفسيرا لتراجع بوتين عن تشدده، على النحو الذي يقولون معه أنه غفر له كل اخطائه بل و»خطاياه»، وهو ما لا نشهد له مثيلا في سياساته ومواقفه مع اصدقاء آخرين ممن لايزال يتخذ من قضاياهم، مواقف تتسم بتشدد ملحوظ يدفع الى التساؤلات المشوبة بالكثير من العتاب. ولعله من الصحيح أيضا في هذا الصدد التوقف عند بعض المواقف ذات الدلالات الكاشفة ومنها ما وجد فيه بعض المراقبين تراجعا في مواقف موسكو تجاه أكراد سوريا ممن يحظون بدعم واضح من جانب الولايات المتحدة على غير رغبة تركيا، وخاصة الاتحاد الديموقراطي الكردستاني الذي تعتبره انقرة امتدادا لحزب العمال الكردي المحظور نشاطه داخل اراضيها. ونذكر ان الجانب الروسي لم يوجه الدعوة الي هذا الحزب للمشاركة في مشاورات الاستانة وهو ما لقي ارتياحا من جانب تركيا. لكنه ورغما عن ذلك عاد ليوجه الدعوة الى ممثليه للمشاركة في اللقاء مع لافروف في موسكو بعد مشاورات الاستانة، وهو ما اعتبره المراقبون نوعا من «الشكليات» المطلوبة للحفاظ على التوازن القائم، دون إخلال بالاتفاق مع انقرة حول عدم جواز قيام كيانات كردية على مقربة من حدودها الجنوبية. وذلك يتفق مع ما تعلنه موسكو حول ضرورة الحفاظ على وحدة اراضي سوريا، والابتعاد بها عن الخلافات الاثنية او الطائفية او العرقية.

ومن الممكن ان نضيف ايضا الى ما سبق وقدمته موسكو من «حلول وسط» او «تنازلات» بشأن الاكراد، ما اعلنته حول ضرورة خروج كل القوى الاجنبية الموجودة في سوريا ومنها وبطبيعة الحال القوات الموالية لايران سواء من ممثلي الحرس الثوري او «حزب الله»، ما قد يعني بوادر تطورات جديدة تتزايد اهميتها انطلاقا مما وعدت به الادارة الامريكية الجديدة من خطوات قالت انها سوف تتسم بطابع مغاير لما كان عليه الحال ابان سنوات الادارة السابقة، وبما يتفق مع ما اعلنه الرئيس دونالد ترامب من «شعارات» و «وعود» ابان حملته الانتخابية الرئاسية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com