لماذا يغفر بوتين ”أخطاء وخطايا“ أردوغان؟

لماذا يغفر بوتين ”أخطاء وخطايا“ أردوغان؟

موسكو - د. سامي عمارة

منذ المصالحة التاريخية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان والحديث لا ينقطع حول الأسباب التي دعت روسيا إلى التغاضي عن كل ما ارتكبته وترتكبه تركيا في حقها سواء كان ذلك يتعلق باسقاط طائرتها المقاتلة في سماء سوريا في نوفمبر 2015، أو اغتيال سفيرها في أنقرة في ديسمبر من العام الماضي.

التساؤلات كثيرة.. ويزيد منها، ومن حدتها ما قد يصفه البعض في مصر وغيرها من البلدان ذات الصلة الوثيقة و“العشم“ مع روسيا، بأنه موقف يقترب من تبني ”المعايير المزدوجة“، أو إلى ”الكيل بمكيالين“.

لم يعرف التاريخ المعاصر مثل هذا التقلب الذي مرت به العلاقات الروسية التركية والتي تأرجحت خلال أقل من عام واحد من الصداقة الحميمة التي كانت توحي بالمزيد من التقارب ورفع مستوى التبادل التجاري إلى ما يزيد عن المليار دولار، إلى المواجهة العسكرية التي بلغت حد اسقاط تركيا لإحدى القاذفات الروسية ووصف الرئيس فلاديمير بوتين للحادث بأنه ”طعنة في الظهر“، ثم العودة ثانية إلى التقارب الذي يرقى اليوم حد ”التحالف السياسي والعسكري“.

ويذكر المراقبون المستوى الذي بلغته العلاقات بين روسيا وتركيا وتوقيعهما الكثير من الاتفاقيات ”الضخمة“ في مختلف المجالات وأهمها الطاقة النووية في إطار بناء محطة ”اكيو“ النووية بقرض روسي، ومد أنابيب نقل الغاز وهو المشروع الذي يسمى ”السيل التركي“ بعد فشل مشروع ”التيار الجنوبي“ عبر بلغاريا، في خريف عام 2015 .

لكن العلاقات سرعان ما هوت من علٍ، بعد حادث اسقاط القاذفة الروسية في نوفمبر من العام نفسه، وهو ما لا يزال ”لغزا“ محيرا للعامة دون الخاصة، التي علمت ببعض مبرراته مما كشف عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرئيس بوتين في أول لقاء جمعهما في سان بطرسبورغ في أغسطس الماضي بعد تقديمه للاعتذار الشخصي عن الحادث.

وثمة من يقول إنها تلخصت فيما قاله أردوغان حول ”مؤامرات“ خصومه لإفساد العلاقة بين البلدين من جانب القوى التي حمًلها ”مسؤولية اسقاط الطائرة الروسية“، وقال إنه ثبت تورطها في محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا في منتصف يوليو من العام الماضي، والذي وقف منه الرئيس بوتين موقفا متميزا، وثمة من يقول إنه أبلغ أنقرة ببعض تفاصيله وماهية القوى التي تورطت في تدبيره.

ولعل المتابع لمسيرة العلاقات بعد المصالحة ”التاريخية“ بين بوتين وأردوغان، يمكن أن يرصد الأسباب الحقيقية لسرعة التخلي عن ”أحزان الأمس“، وما قدمته وتقدمه تركيا من أجل إقناع روسيا بتناسي الإساءة، وما حصلت وتحصل عليه من مكاسب في المقابل خصما من ”المكاسب السابقة“ لإيران في سوريا.

فما أن انتهى الرئيسان من مؤتمرهما الصحفي المشترك في سان بطرسبورغ حتى دارت عجلة العلاقات بين البلدين، وأعلنت موسكو عن تشغيل خطوط الطيران مع تركيا وإطلاق طائرات ”الشارتر“ تحمل آلالاف من السائحين الروس إلى المقاصد السياحية التركية رغم كل العمليات الإرهابية التي كانت ولا تزال تعصف بأمن المقاصد السياحية والمطارات التركية.

ولم يمض من الزمن سوى ”سويعات“ حتى عاد البلدان إلى سابق تعاونهما الاقتصادي، وإحياء الحديث عن المشروعات الكبرى وخاصة محطة اكيو النووية وبناء ”السيل التركي“ لمد أنابيب نقل الغاز، فيما تدفقت الصادرات التركية ومنها الفواكه والخضراوات لتستعيد مكانتها في الأسواق الروسية، لكن ما خفي كان أعظم!

وذلك ما أماطت الأسابيع القليلة الماضية اللثام عن بعض تفاصيله، التي منها ما تمثل في الاجتماعات الثلاثية التي جمعت وزراء خارجية ودفاع روسيا وتركيا وإيران في موسكو، وأسفرت عن الاتفاق حول وقف إطلاق النار في سوريا، والإعلان عن مشاورات أستانة التي سرعان ما جمعت وللمرة الأولى ممثلي مجموعات المعارضة السورية المسلحة في شمال غربي سوريا والمرتبطة بالدرجة الأولى بتركيا، بوفد الحكومة السورية.

وكان غياب الأكراد عن مشاورات أستانة مؤشرا آخر إلى ما قد تكون موسكو قدمته من تنازلات للجانب التركي، وهي التي طالما وقفت الى جانب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وزعيمه صالح مسلم، ودعمت تحركاته المسلحة في شمالي سوريا ضد التنظيمات هناك، ومن المعروف أن تركيا تعتبر هذا الحزب امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور نشاطه داخل أراضيها، وهنا لم يكن حادث اغتيال السفير الروسي اندريه كارلوف في أنقرة، ليوقف مسيرة التقارب التي تمسك فيها موسكو بمقاليد إدارتها وتوجيهها صوب ما تبتغيه من أهداف جيوسياسية وعسكرية في المنطقة.

وإذا كان هناك من يحاول مقارنة ما جرى ويجرى على صعيد العلاقات الروسية التركية، مع تطورات العلاقات المصرية الروسية التي تقترب من ”الجمود“ منذ حادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء في نهاية أكتوبر 2015، وقرار موسكو حول حظر السياحة الروسية والطيران مع مصر، فإن هناك الكثير الذي يقول إنه ”شتان بين الموقفين“، و“عَظُم الفرق بينهما“، وتلك قصة أخرى تقول بضرورة استعراض ”مفردات الأزمة“، والتوقف عند أساليب إدارتها منذ اللحظة الأولى لما بعد سقوط الطائرة على رمال شبه جزيرة سيناء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com