الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة

الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة

محمد خلفان الصوافي

على سبيل التذكير، فإن تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي، وعلى رأسها «الإخوان المسلمون»، تعاني من عدم وجود أي مرجعية فكرية أو حتى دينية، ما يسمح لها بأن تكون ذات ولاءات خارج الحدود الجغرافية للدولة الوطنية العربية التي ظهرت في بداية القرن العشرين.

مناسبة استعادة هذا الحديث برنامج الملتقى الثالث لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، الذي تناول موضوع «الدولة الوطنية في الفكر الإسلامي»، والذي اختتم أعماله أول أمس في العاصمة أبوظبي، حيث تمت مناقشة مشروعية الدولة الوطنية بعدما شوهها دعاة الفتنة ومنظرو الإرهاب عند الشباب المسلم، بحجة إقامة الدولة على أساس انتماء ديني، مدعين أن الدولة الوطنية ليست من الإسلام، وبالتالي ينبغي إضعافها ومحاربتها، وهو ما يبدو واضحاً من خلال ما كان يعرف بـ«الربيع العربي».

المشكلة أساساً هي أن أصحاب هذه التيارات يحملون أفكاراً مشوشة عن مفهوم الدولة في الإسلام، كونهم يعتمدون على مرجعيات قديمة، خاصة وجود «الخلافة الإسلامية» ويتناسون عمداً أن مثل هذه الأفكار تلاشت ولم يعد العالم مقسماً إلى دار إسلام ودار كفر، لذا فإن ترديدهم لشعار «الإسلام هو الحل» ليس إلا من أجل التلاعب بالعواطف الشعبية لتحقيق أهداف سياسية، والتجربة التونسية والمصرية خير دليل على ذلك.

مر نحو قرن من الزمن على وجود الدولة الوطنية بالمفهوم المتعارف عليه في المجتمعات الإسلامية، حيث أصبحت هناك حدود جغرافية وهوية وطنية لكل أفراد المجتمع، وأصبح لهذه الدولة دستور ينظم العلاقة بين أفراد المجتمع ولها علم يمثلها.. إلا أن التيارات المتأسلمة ما زالت ترفض هذه الدولة، وقد تبيّن من خلال تجربة تنظيمي «القاعدة» و«داعش» الخارجين من رحم التيارات المتأسلمة، أن الهدف الحقيقي لهذه الحركات نكران الحدود الجغرافية.

يميل البعض، ومنهم الغرب، إلى أن ينزع عن «الإخوان المسلمين» صفة التطرف، لكن التاريخ يثبت أن هذه الجماعة تتخذ من الدين الإسلامي وسيلة لتحقيق مشروعها السياسي القائم على تدمير الدولة الوطنية من خلال جعل الولاءات عابرة للحدود تحت مزاعم أن المواطنة الدينية أوسع من الدولة المحددة جغرافياً، وهو ما يجعل مفهوم المواطنة مقتصراً على بعض أفراد الشعب، وبالتالي إلغاء الآخر.

الدولة الوطنية تجعل مواطنيها ملزمين بكل مضامينها السياسية والدينية، وأي شيء خارج حدودها لا يسمح بالتعامل معه إلا من خلال مؤسسات الدولة الدستورية وليس الفكر الديني.

أثبتت التجارب السياسية أمرين اثنين، الأول: أن استخدام المفاهيم السياسية الكبيرة غالباً ما يتسبب في تجاوز حدود الدولة الوطنية ويعطي أصحاب النيات المبيتة، ومنهم أصحاب الولاءات الدينية، استخدامها لمصلحته، وربما في هذه النقطة يتضح المشروع «الإخواني» فيما يتعلق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى خلال موجة «الربيع العربي»، وهو ما يقترب من المشروع الثوري الإيراني.

الأمر الثاني، هو أن كل التجارب السياسية والاقتصادية الناجحة حتى اليوم تحققت في ظل الدولة الوطنية، سواء في الماضي أو في الحاضر، وحتى التجربة التركية التي تتغنى بها التيارات الإسلامية، هي نتيجة للدولة الوطنية بما فيها وصول أردوغان إلى السلطة واستمراره فيها، لكن الخشية هي من أنه إذا استمر أردوغان في السير نحو محاولة نشر أفكاره العابرة للحدود، والتي يستخدمها بذكاء في خدمة طموحاته السياسية، فإنه ربما يتسبب في إفشال تلك التجربة.

ويكاد المراقبون يجمعون على أن هناك استدارة عالمية للدولة الوطنية ذات السيادة على حدودها، بعدما عانى العالم من تأثيرات العولمة التي حملت أفكاراً تدمر الدولة الوطنية واستفاد منها «الإخوان»، كما يتفق أغلب المراقبين على أن تجربة دولة الإمارات واحدة من أنجح التجارب السياسية العربية في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية كونها تركز على خلق المواطنة الحقيقية.

كل الأنظمة ذات الصبغة الدينية أو القومية العابرة للحدود، سجلت فشلاً ذريعاً في تحقيق التنمية السياسية، حيث لم تستطع تجنيب بلدانها مخاطر الطائفية والإرهاب، ولم تعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدولها، وإيران خير مثال، وكذلك تجربة الإخوان في مصر عام 2013.

كل التيارات السياسية المتخفية في ثوب الإسلام، بلا استثناء، هي خطر على الدولة الوطنية، بل إن بعض رافضي هذه الدولة يمثلون خطراً على المجتمع من خلال الدور الذي يقومون به في التأثير على أفراد المجتمع، من خلال الترويج لما يسمونه «الخلافة الإسلامية» باعتبارها «الحل»!

لذلك فإن الدور الذي يقوم به منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، منذ إنشائه قبل ثلاث سنوات، كبير ويحتاج إلى صبر في شأن تفكيك المفاهيم الفضفاضة، والتي قد يدغدغ رنينها مشاعر البعض!

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com