حرامية الأمس وحرامية اليوم – إرم نيوز‬‎

حرامية الأمس وحرامية اليوم

حرامية الأمس وحرامية اليوم

خالد القشطيني

الفساد بمعنى السرقة والاختلاس والرشوة ليس بجديد في تاريخ المنطقة، بل وتاريخ البشرية عمومًا. ويمتد في الواقع إلى فجر ظهور الملكية الفردية، التي كانت هي بدورها ضربًا من الفساد أولاً بأول. عرفناه في تاريخنا. كما تقدم الجمهور بالشكوى منه للخليفة. وكم اضطر الخلفاء لاستعفاء بعض الولاة والقضاة لضلوعهم في الفساد. الحكايات أوسع من أن تتسع لها هذه المقالة الوجيزة، ولها أصداؤها في أدبياتنا عمومًا.
بيد أن هناك فرقًا كبيرًا في رأيي وخطيرًا بين ذلك الفساد في أيام الأمس والفساد في أيامنا النحسة هذه. كان حرامية الأمس يستهلكون سرقاتهم في البذخ والصرف على أنفسهم وعلى عوائلهم، في الضيافة والكرم، في الزواجات وشراء الرقيق. كانوا أحيانًا يستثمرون ما سرقوه في إحياء الأرض، في الزرع والضرع والبناء والتجارة والصناعة. وفي كل هذه الأحوال تبقى الثروة داخل البلد بل وتنهض به وترفع مستواه الاقتصادي والمعيشي، عندما تستثمر في هذه الميادين وتصرف بين قطاعات المجتمع.
وهذا هو الفرق الكبير بين فساد الأمس وفساد اليوم. ففي الآونة الأخيرة أخذ الضالعون في الفساد يبادرون فورًا إلى تحويل سرقاتهم إلى الخارج، وعلى الأكثر إلى العالم الغربي. يفعلون ذلك خوفًا من محاسبتهم عنها ومصادرتها، وأيضًا طمعًا في العيش خارج الوطن. كثيرًا ما تنتهي في البنوك الأجنبية ذات السرية كما في سويسرا. قد يحصلون منها على فوائد طفيفة وقد لا يحصلون على أي فوائد. وقد يستثمرونها في شراء العقارات أو الأسهم هناك، وقد يوظفونها في أتفه الأمور كشراء نادٍ كروي (كما فعل أحد الوزراء العراقيين مؤخرًا) أو نادٍ رياضي أو مسارح مثلاً.
نجد في كل هذه الأحوال أن المستفيد الحقيقي من سرقاتهم واختلاساتهم هم الأجانب، وأحيانًا الأجانب من أعداء بلادنا وأمتنا. نراهم أحيانًا يستثمرونها في إقامة صناعات ومتاجر وبناء قصور وأسواق. ولكن في كل الأحوال، خارج وطنهم الذي سرقت منه هذه الأموال.
هذا ما ساهم في تعميق الفقر في معظم بلداننا العربية، فأموال الدولة التي هي ملك الشعب وللشعب تخرج للخارج ليغتني بها الأجنبي وليس المواطن العربي الأصلي، المالك الشرعي لهذه الأموال. وبالتالي تسوء الأحوال المعيشية، وتتلاشى فرص الاستثمار والإعمار في البلاد، وتعم البطالة، وتساهم في خلق الفرص للمنظمات الإرهابية والانقلاب على الأنظمة القائمة، وبالتالي زعزعة الاستقرار وخراب الدار. وعائلة الأسد في سوريا مثال على ما أقول.
هذا هو الفرق الأساسي بين فساد الأمس وفساد اليوم. كان فساد الأمس فسادًا وطنيًا، في حين أن فساد اليوم فساد خياني وتخريبي.
الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com