حكومة ”الوحدة الوطنيّة“ هل تكون فخّاً لعرقلة الانتخابات والعودة إلى الفراغ؟ – إرم نيوز‬‎

حكومة ”الوحدة الوطنيّة“ هل تكون فخّاً لعرقلة الانتخابات والعودة إلى الفراغ؟

حكومة ”الوحدة الوطنيّة“ هل تكون فخّاً لعرقلة الانتخابات والعودة إلى الفراغ؟

اميل خوري

لم تكتمل فرحة انتخاب رئيس للبنان والاحتفال بعيد الاستقلال بتأليف حكومة ينطلق العهد الجديد بها وبكل المؤسسات للعمل بعد كثرة الكلام… لذلك كانت وجوه الرؤساء عابسة في العرض العسكري وكأنّها ليست في عيد، ولم تنفرج أساريرها إلّا بعد الاجتماع الرباعي للرؤساء وعرض الحقائب الوزارية علَّ الحكومة الجديدة تبصر النور قريباً جداً.

لقد أخطأ العهد الجديد بقبوله تأليف حكومة ”وحدة وطنية“ ليس في مستهل العهد فقط إنّما على أبواب انتخابات نيابية تفرض أن تكون الحكومة لا تضم وزراء مرشّحين للنيابة كي تكون فعلاً حكومة حيادية لا تُميّز بين مرشّح وآخر، وقادرة على أن تجعل الانتخابات حرّة ونزيهة. لكن الرئيس العماد ميشال عون وجد نفسه مضطرّاً للقبول بحكومة ”وحدة وطنية“ لأنه فقد الصلاحيات التي كان يتمتّع بها أسلافه عندما كانت تسمح لهم بأن يؤلّفوا هم الحكومات عندما يتعذّر تأليفها كما تريد الأحزاب والكتل.

لقد استقالت حكومة الرئيس رياض الصلح في شباط 1951 لتفسح في المجال لتأليف حكومة من وزراء غير مرشّحين للانتخابات فكانت برئاسة حسين العويني وعضوية بولس فياض وادوار نون فقط، ونالت الثقة بالاجماع. وفي مستهلّ عهد الرئيس كميل شمعون تألّفت حكومة من خارج مجلس النواب برئاسة خالد شهاب ومن الوزراء: موسى مبارك، سليم حيدر وجورج حكيم، لأن تأليفها من داخل المجلس لتكون حكومة ”وحدة وطنية“ كان متعذّراً كون الأكثرية النيابية كانت موالية لعهد الرئيس الشيخ بشارة الخوري الذي أطاحته ”ثورة بيضاء“. وقد تسبّب تأليف تلك الحكومة بأول خلاف بين الرئيس شمعون والزعيم كمال جنبلاط الذي كان يريد تأليف حكومة من ”الجبهة الاشتراكية الوطنية“ التي كان لها الفضل في إسقاط عهد الرئيس الخوري، فلو أنها تألفت لكانت الأكثرية حجبت الثقة عنها. وحاول الرئيس فؤاد شهاب في مستهل عهده تأليف حكومة ”وحدة وطنية“ برئاسة رشيد كرامي، لكنها ما لبثت أن استقالت بعد تأليفها وقبل أن تمثل أمام مجلس النواب لأن حزب الكتائب لم يكن ممثلاً فيها، فخلفتها حكومة رباعية برئاسة رشيد كرامي وعضوية: حسين العويني وريمون إده وبيار الجميل. وفي مستهل عهد الرئيس سليمان فرنجية أدّى الخلاف على من تُسند إليه وزارة الدفاع الى العدول عن تأليف حكومة ”وحدة وطنية“، وتألفت حكومة برئاسة صائب سلام عُرفت بحكومة الشباب أو حكومة المجهولين كما سمّاها عميد ”النهار“ الراحل الكبير غسان تويني وكان وزيراً فيها. وعندما تعذّر على الرئيس الياس سركيس في مستهل عهده تأليف حكومة ”وحدة وطنية“ لأن سوريا رفضت إشراك الزعيم كمال جنبلاط فيها، عمد على الفور الى تأليف حكومة من خارج المجلس برئاسة سليم الحص.

الواقع أن سوريا كانت أول من طالب بتأليف حكومة ”وحدة وطنية“ لتحول دون تمكين الأكثرية النيابية التي فازت بها قوى 14 آذار من أن تتألف منها، فأوعزت إلى حلفائها في قوى 8 آذار بالمطالبة بحكومة ”وحدة وطنية“ كي لا تستأثر الأكثرية في اتخاذ القرارات المهمة من دون أن تشارك الأقليّة في اتخاذها بحجّة تحقيق ”المشاركة الوطنية“ التي تحوّلت مشاكسة… وقد أرادت سوريا من تأليف مثل هذه الحكومة عرقلة قيام المحكمة الخاصة بلبنان وتعطيل إقرار نظامها التأسيسي، فاستقال الوزراء الشيعة منها لهذه الغاية كي تعتبر الحكومة بعد استقالتهم وتعذّر تعيين بدائل منهم حكومة غير ميثاقية، فأقفلت أبواب مجلس النواب في وجهها ورفض تسلّم أي مشروع يصدر عنها. ثم كانت حكومة ”الوحدة الوطنية“ تنفيذاً لاتفاق الدوحة، وقد خالف حلفاء سوريا في قوى 8 آذار ذاك الاتفاق باستقالة الثلث المعطّل منها، وكان هذا الثلث من شروط هذه القوى للمشاركة في أي حكومة لها صفة ”الوحدة الوطنية“. فأدّت تلك الاستقالة الى استقالة الحكومة برمّتها وكانت برئاسة سعد الحريري لتخلفها حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي الذي قدّم استقالته عندما لم يستطع أن يتحمّل مسؤولية تدخّل ”حزب الله“ عسكرياً في سوريا ومخالفة سياسة ”النأي بالنفس“.

وتتكرّر الآن في مستهل عهد الرئيس عون محاولة تأليف حكومة ”وحدة وطنية“ من أحزاب منقسمة على نفسها سياسياً ومذهبياً، وخارجة من انتخابات رئاسية أفقدتها أوراق وضعت في صندوق الاقتراع جدّيتها وسخَّفتها. وظنَّ البعض أنه بتأليف مثل هذه الحكومة يتحقّق الوفاق الوطني الشامل وتصفو قلوب ملأى بالحقد والكراهية والكيدية نتيجة الانتخابات التي فرضت الضرورة انتخاب العماد عون رئيساً، وينتظر أصحابها العهد الجديد عند كل كوع ومفترق.

الحقيقة أن كل حكومات ”الوحدة الوطنية“ التي تألفت كانت ضرباً للوحدة الوطنية ومشكلة تعطّل عمل المؤسسات، وأن ما تخشاه أوساط سياسية مراقبة أن تكون حكومة ما يسمّى ”وحدة وطنية“ للاشراف على الانتخابات حكومة قد تعطّل هذه الانتخابات، إمّا لخلاف على القانون، وإمّا لأن وزيراً نافذاً لم تعجبه نتائج الانتخابات فيستقيل وتبدأ مع الاستقالة متاعب العهد مع من يعلنون غير ما يضمرون وحبّهم له هو حبّ خبثاء.

النهار

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com