ما بعد الموصل عربيا

ما بعد الموصل عربيا
An Iraqi special forces soldier gestures after an Islamic State suicide car bomb attack at Iraqi special forces soldiers during clashes in Mosul, Iraq, November 19, 2016. REUTERS/Goran Tomasevic

أيمن الصفدي

رغم الصعوبات التي تواجه معركة تحرير الموصل، ثمّة أرضيّةٌ صلبةٌ لتوقّع طرد ”داعش“ من المدينة قبل نهاية العام الحاليّ. لكنّ دحر ”داعش“ في الموصل لن يعني نهاية أزمات العراق، الذي لن يتقدّم على طريق الأمن والاستقرار والبناء إلا إذا حارب آفاته السياسيّة بنفس الدرجة من الحزم والتصميم التي يحارب بها ”داعش“ اليوم.

فكما هي الحال في سورية، ”داعش“ وليد الفشل السياسيّ والاجتماعيّ والأمنيّ وليس صانعه. وبالتالي، فإن الإرهاب سيبرز من جديد حتّى لو هُزم عسكريّاً في الموصل والرقّة طالما لم تتغيّر ظروف القهر والبؤس التي فرضها النظامان السوريّ والعراقيّ على شعبيهما، وإلى حين توقّف التدخّلات الإقليميّة التي ”استثمرت في الشياطين“ خدمةً لأطماعها.

بالطبع، فرص النجاح في إعادة بناء الدولة أقوى في العراق منها في سورية. فرغم العيوب الهيكليّة في النظام السياسيّ العراقيّ، ثمّة مؤسّساتٌ سياسيّةٌ يمكن إدارة الإصلاح عبرها. هناك برلمانٌ وهناك حكومة، وهناك أيضاً مؤسّسة عسكريّة تمّت إعادة بنائها وتأهيلها بدعمٍ أميركيٍّ ودوليٍّ. المفقود حتّى اللحظة هي إرادةٌ سياسيّةٌ و“قياداتٌ تاريخيّةٌ“ تنهي السياسات الإقصائية وتحقّق العدالة و“المصالحة التاريخيّة“ التي يتحدّث عنها العراقيّون.

لكن كما احتاجت القوّات العسكريّة دعماً عسكريّاً لإعادة تأهيلها، تحتاج المؤسّسة السياسيّة أيضاً إسناداً وضغوطاً دوليّةً وإقليميّةً لدفعها نحو تبنّي سياساتٍ تزيل التفرقة بين العراقيّين على أساس العرق والمذهب، وتوحدّهم تحت مظلة الهويّة الوطنيّة الجامعة.

وتلك مهمّةٌ يحتاج نجاحها التزاماً أميركيّاً غاب خلال حقبة أوباما الذي أسهم انسحابه المبكر من العراق في ترك الساحة فارغةً لنظام المالكي للإمعان في نهجه الطائفي الإلغائيّ، وبالتالي تمهيد الطريق أمام الإرهاب ”القاعديّ“ للظهور في مسخه ”الداعشيّ“. لكن هل سيقتنع الرئيس الأميركيّ المنتخب دونالد ترامب أنّ في الانخراط في العراق بعد هزيمة ”داعش“ عسكريّاً في الموصل مصلحةٌ أميركيّة؟

ذاك سؤالٌ لا يعرف أحدٌ جوابه بعد. غير أنّ ما تعتقده الأكثريّة من المحلّلين هو أنّ سياسات ترامب الخارجيّة ستحكمها المصالح الأميركيّة حسب فهمه لها، وأنّ مواقفه إزاء المنطقة لم تتبلور بعد. هذا يعني أنّ ثمّة فرصةً للتأثير على فهم الرئيس الأميركيّ القادم للقضايا العربيّة وبالتالي توجّهاته نحوها.

تستطيع الدول العربيّة التي تملك الحد الأدنى من المواقف المشتركة أن تبلور موقفاً جماعيّاً تجاه الملفّات الرئيسة (سورية، العراق، فلسطين، الإرهاب، اليمن، ليبيا وإيران). وقبل أن يبدأ ترامب اتّخاذ قراراته حول المنطقة، تستطيع هذه الدول أن تحمل إليه خطّة عملٍ متكاملةٍ لتعاونٍ أميركيٍّ-عربيٍّ يعالج هذه الملفّات بما يحقّق مصالح الفريقين حيث توجد مصالح مشتركة.

أولئك الذين يعرفون ترامب يقولون إنّه رجل أعمالٍ يأخذ بالصفقات الجيّدة. لا ضامن أنّ ترامب سيقبل كلّ ما سيطرحه العرب عليه. لكنّ محاولة التأثير على فهمه للقضايا العربيّة عبر بدء حوارٍ مبكرٍ معه سيكون أفضل بكثيرٍ من تركه يكوّن آراءه وفق معطياتٍ يقدّمها آخرون.

وربّما، إذا تمّ ذلك، سيبقي ترامب على انخراط بلاده في العراق دعماً لعمليّةٍ سياسيّةٍ تنهي الظروف التي أنتجت الإرهاب، وسيبحث في سورية عن حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ لا يحاصر الأزمة في زاوية دحر ”داعش“ فقط.

هزيمة الإرهاب تتطلّب دحره في العراق وفي سورية، وإنهاء الفوضى والأزمات التي ولّدته. وتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط يستوجب مقاربةً تستوعب التشابك الهيكليّ بين أزماته فتسعى لمعالجتها بشموليّة. الوصول إلى هذه المعالجة مهمّةٌ ستكون مستحيلةً من دون دورٍ أميركيٍّ مبنيٍّ على فهمٍ عميقٍ للمنطقة وأسباب توتّراتها. ليس هناك ما يوحي بأنّ هذا الدور قادم. لكن لا يملك العرب بديلاً من محاولة الدفع باتّجاهه.

الغد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com