ترامب وبعض العرب

ترامب وبعض العرب

حازم صاغية

ظهرت أصوات عربية تعلّق على انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتّحدة الأميركيّة، فرأى أصحابها أنّ الأمر لا يعني العرب ولا ينعكس على قضاياهم. ذاك أنّ هذه الأميركا لا تعدو كونها تنافساً محموماً بين السيّء والأسوأ.

والتأويل هذا إنّما يفضي إلى نتيجة خطيرة مفادها أنّ المسائل التي لا تعني العرب ولا تنعكس على قضاياهم تشمل ما يلي: الموقف من المرأة ومن الدين ومن الجنس ومن اللجوء واللاجئين، ومن الهجرة والمهاجرين، ومن العنصريّة، ومن حرّيّات التعبير، ومن أشكال الحاكميّة وفصل السلطات، ومن تصوّر شكل العالم بانفتاحه أو انغلاقه، ومن العلاقات الاقتصاديّة والحروب التجاريّة، ومن تصاعد التطرّف والعنف، ومن دمار البيئة، ومن اتّجاهات السينما والفنون والإعلام ووسائط الإعلام الاجتماعيّ، ومن أخلاق السياسة وصورة السياسيّ، بل أيضاً من مستقبل العالم العربيّ نفسه بلداناً وشعوباً، مقيمين ومهاجرين ولاجئين…

فإذا كانت هذه المسائل وسواها لا تعني العرب حقّاً ولا تنعكس على قضاياهم، يشجّعهم على ذلك بعض أقصى اليسار الغربيّ، كانت الخلاصة الكارثيّة أنّ قضايا العرب مزعومة وبائدة، لا تؤثّر بشيء ولا تتأثّر، وأنّهم هم أنفسهم غير موجودين، وفي أحسن أحوالهم، زائدة طفيليّة على هذا العالم.

وهذا بالتأكيد غير صحيح، إلاّ أنّه النتيجة المنطقيّة التي تُبنى على ما يقوله بعض فرسان الدفاع عن العرب والعداء لأميركا.

هكذا، مثلاً، يقال أحياناً أنّ لا فارق بين باراك أوباما وترامب، أو بين هيلاري كلينتون وترامب، وأنّ لا جديد بالتالي تحت الشمس، علماً بوجود فوارق بعضها فلكيّ في ما خصّ العناوين المذكورة أعلاه. لكنّ ما يُحسّ ويُلمس، بطرق مختلفة، في سائر بقاع الأرض، لا أثر له في العالم العربيّ وحيال قضاياه!

إلاّ أنّ أصحاب الفرادة يحفرون بأيديهم قبر فرادتهم. فالذي لا يلاحظ الأثر الكبير الذي يتركه العالم عليه يفوته أيضاً أثره الصغير على هذا العالم نفسه. ذاك أنّ ما يجري إغفاله وتفويته هنا هو بالضبط فكرة العلاقة بين طرفين، بما تنطوي عليه دائماً من تبادل في التأثّر والتأثير. وهذا، والحقّ يقال، إنّما هو الوجه الآخر للترامبيّة، أو أنّه قفاها، حيث العالم عديم العلاقات، ينبغي أن تفصل الجدران بين أطرافه، وأن تُطرد أعداد من بشره من الأمكنة التي تقيم فيها، إذ الشراكة في علاقة جامعة لا تشبه إلاّ العدوى ولا ينجم عنها إلاّ الأذى.

وتتمّة هذا المنطق هو ما يقوله هذا الوعي الكونكريتيّ في صيغة أخرى: إنّ ترامب يستحقّ الشكر على كشفه «حقيقة» أميركا التي كان أوباما وكلينتون يموّهانها بالخداع. وهذا، بدوره، يوازي ما قد يقوله أيّ ترامبيّ أميركيّ «أصيل» من أنّ أسامة بن لادن وأبا بكر البغدادي يستحقّان الشكر على كشفهما «حقيقتنا» نحن العرب والمسلمين. فلنعجّل إذاً في قدوم الكارثة التي تسرّع الانكشاف الكامل للحقائق!

والبائس أنّ هذه اللغة مرشّحة للازدهار مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض: حقائق جوهريّة مزعومة تصف شعوباً وجماعات وأدياناً بكاملها، وعلاقات مسمومة ليس فيها ما يستحقّ الرعاية والاهتمام إلاّ ردّ العنف والأذى المترتّبين عليها. والأمر الأرجح هو أن تخترق هذه النظرة دواخل كلّ واحد من المجتمعات فلا تبقى محصورة بين جماعتين أو مجتمعين.

حينذاك يسطع النور بعد طول ظلمة.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎