التعايش مع رئاسة عون

التعايش مع رئاسة عون

الياس حرفوش

سيكون للبنان غداً رئيس جديد، هو الثالث عشر (والعياذ بالله من هذا الرقم) منذ استقلال الجمهورية. رئيس لا يستطيع أحد أن يدّعي بين مؤيديه أو أولئك الذين يقولون إنه تحوّل إلى خيارهم الوحيد لحل أزمة تعطيل الانتخاب، أنهم لا يعرفونه، أو أنهم لم يرافقوا (ويعانوا) من تجاربه في الحكم، كما في خوض الحروب، في الداخل ومع الخارج، وهي حروب انتهت إلى ما انتهت إليه، قبل أن يتحوّل من حاربهم في الداخل إلى مناصرين، وفي الخارج إلى حلفاء.

مع ذلك، على المؤيدين لوصول ميشال عون إلى الرئاسة، كما على معارضيه، أن يتعايشوا الآن مع هذا الخيار. الكل يدرك أن الطريق إلى هذه الرئاسة لم يكن معبداً بالرياحين، واحتاج إلى تعطيل المجلس النيابي لمدة سنتين ونصف السنة و45 جلسة انتخابية لم يكتمل فيها النصاب. وكان هدف التعطيل: ميشال عون أو لا أحد. لكن الواقع الذي نحن أمامه الآن هو أن للبنان رئيساً للجمهورية آتٍ بأصوات النواب، على رغم أن ولاية هؤلاء النواب هي ولاية ممدّدة، وكان تكتل عون نفسه بين من تحفظوا عن هذا التمديد.

يصل ميشال عون إلى قصر بعبدا تحت شعار الانفتاح على الجميع، كما يقول «التيار الوطني الحر». رئيس مستعد للتوافق مع كل الكتل السياسية لإنجاح المشروع الجامع أو ما سماه جبران باسيل الورشة الوطنية. غير ملتزم بصفقات، كما يقولون، لا من فوق الطاولة ولا من تحتها. همّه الوحيد إنقاذ لبنان من أزماته السياسية والاقتصادية. وفضلاً عن كل هذا، يقولون، يصل عون إلى هذا المنصب بدعم مسيحي واسع، باعتباره الأقوى في طائفته، والأقدر على تمثيلها، أسوة بالتمثيل الذي يحصل عليه الشيعة والسنّة، في منصبي رئاسة المجلس النيابي ورئاسة الحكومة.

لكن… يبقى أن عون يصل إلى بعبدا أساساً بفضل دعم «حزب الله». لا هو تردد في الاعتراف بذلك عندما زار السيد حسن نصرالله ليشكره، بعدما ضمن تأييد الرئيس سعد الحريري لترشيحه. ولا «حزب الله» أخفى «التزامه الأخلاقي» تجاه عون الذي دفعه إلى الوفاء بوعده وتحقيق حلم الجنرال الذي يراوده منذ ثلاثة عقود. إنها إذاً سلفة على الحساب. وباعتبار أن «حزب الله» ليس جمعية خيرية، فمن الطبيعي أن يدرك مؤيدو عون الجدد الذين سيصوتون له غداً ما هم مقبلون عليه، والالتزامات التي ستترتب على الرئيس الجديد، وبالتالي أن يفكروا بكيفية التعايش مع هذه الالتزامات.

فسواء تعلق الأمر برئيس الحكومة المنتظر تكليفه، سعد الحريري، أو برئيس «القوات» سمير جعجع، ناهيك عن الرئيس نبيه بري، يتوقع أن يكون هذا التعايش بالغ الصعوبة. صحيح أن عون والحريري كررا كل من جانبه أن الهم الأساسي في هذه المرحلة هو الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الزلزال الإقليمي من العبور إلى لبنان. لكن لبنان ليس جزيرة منعزلة، ولا يستطيع الهرب من انعكاسات الحروب الإقليمية الدائرة حوله، وذيولها الطائفية والمذهبية، كما لا يستطيع قادته تجاهل التناقضات العميقة القائمة بينهم نتيجة الخلاف حول الحرب في سورية مثلاً، حيث «حزب الله» طرف أساسي، أو حول العلاقات اللبنانية العربية، واللبنانية الخليجية بشكل خاص، وللحزب مواقف منها بالغة الحدة. كيف سيتم التوفيق في قضايا كهذه بين مواقف عون كرئيس للجمهورية ومواقف الحريري كرئيس للحكومة، إذا افترضنا سهولة وسلاسة تشكيل الحكومة برئاسته؟ هل سيستطيع عون الرئيس إدارة ظهره لحليفه الأساسي الذي اختار أن يدعمه وحده على حساب الحليف الآخر سليمان فرنجيه؟ وإذا فعل عون ذلك، كما قد يراهن البعض، فماذا سيكون مصير العهد «العوني» وما هي الاحتمالات الخطرة التي قد تنتج من تحوّل مثل هذا؟

لا شك أن هناك أملاً يراود كثيرين من اللبنانيين ببداية مرحلة خلاص جديدة غداً. غير أن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن التساؤلات والشكوك هي في حجم الآمال إن لم تكن تفوقها. وسيحتاج الرئيس الثالث عشر إلى صبر أيوب للسير فوق الرمال المتحركة التي تنتظره. لكن الصبر والليونة ليسا من الخصال المعروفة عن العماد عون… ولله في خلقه شؤون.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎