إعادة زيارة للربيع

إعادة زيارة للربيع

محمد الرميحي

كثر الحديث أخيرًا عن «نتائج الربيع العربي»، البعض يذهب إلى القول إنه لا ربيع هناك، كان برق خلب لا مطر يجاريه، والبعض الآخر يرى أن «الربيع» قد خُطف بلا رجعة! في محاولة للوم الآخر. الحقيقة أن من في الصورة لا يستطيع أن يحكم عليها بدقة، فهو داخلها لا خارجها.

كان بعض المجتهدين يرون أن «هناك استثناءً عربيًا» بعد أن اجتاحت التغيرات كثيرًا من البلدان، خصوصًا تلك التي تحررت أخيرًا من سطوة الاتحاد السوفياتي في العقد الأخير من القرن الماضي، وأن هذا الاستثناء يعني أن العرب لن تصل إليهم «الصحوة» أبدًا، لأنهم خارج التاريخ!

ذلك الرأي كان في نهاية خط التشاؤم، أما آخرون فقد وجدوا أن التغيرات التي حدثت في بعض البلاد العربية بدءًا من مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هي ربيع العرب، وكان هذا الرأي في نهاية خط التفاؤل، كلاهما غير موضوعي، ولما دخل الجميع في صراعات وحروب وتدخلات إقليمية وعالمية ظن البعض أن التغيرات التي حدثت قد أثارت كثيرًا من الفوضى، ولم يكن أحد يريدها أو يتوقعها، بل أعادت شعوبًا عربية إلى استعمار بشكل جديد.

في محاولة مبكرة لزيارة جدية للربيع نستدعي التاريخ، فنرى من خلاله أن شعوبًا أخرى مرت بهذا الموقف في مسيرتها الحضارية من تقدم وتراجع سريع في فترات الصراع، إلا أن الدروس الأهم اثنان؛ أولاً أن التاريخ لا يُحكم عليه من خلال بضعة عقود من الزمن. التاريخ يحتاج إلى وقت وإلى عقود حتى يتبين للجميع على أي ضفاف سوف ترسو سفينة أوطانهم. والثاني والأهم هو أن التاريخ لا يتراجع إلى الخلف. اليوم السؤال هو هل كان يمكن أن يستمر القائم من الأمر في الدول التي أصابها «الربيع»، كما كان، وإلى أي وقت كان يمكن الاستمرار في تقبل ذلك النوع من الحكم الذي يصم آذانه عن نداءات التغيير وكأنه يعيش في عالم آخر مختلف؟ من الطبيعي القول إن ما كان قائمًا لا يمكن أن يستمر، فقد أُهينَت الشعوب إلى حد لم تعد فيه حسابات الخسارة والربح مهمة إلى تلك الدرجة للحفاظ على الأمر القائم، وإن أي شيء مختلف مهما كانت قسوته أفضل من القائم. ما نراه اليوم في بعض دول الربيع محاولات مضنية لإعادة الماضي، ودرس التاريخ الذي لا يرحم أن الماضي لا يعود، ليس عندنا فقط ولكن في مجمل تاريخ الإنسانية. بعد التغيرات التي أحدثها السيد ميخائيل غورباتشوف في هيكلية الاتحاد السوفياتي، حول بعض الغلاة من الآيديولوجيين السوفيات العودة بالتاريخ أدراجه، ونعرف نحن تفاصيل الانقلاب العسكري الشهير الذي حدث عام 1991، ولكنه لم يستمر إلا بضعة أيام، وجاء بعده نظام آخر مختلف، هذا النظام الآخر القائم في الاتحاد الروسي الآن يسعى جاهدًا إلى أن يبقى بعض النظام العربي على ما هو عليه، كتدخله في سوريا، وقد فقد أهم درس أوصله هو إلى الحكم: إن الماضي لا يمكن أن يعود، حتى لو صرخ الجميع في وجه الإنس والجن بأنه يحارب «الإرهاب»، هي حقيقة تزيد من سرعة انتشار الإرهاب الذي يضرب بعض الأرض العربية. وبعض المعارك الآن التي تدور على أرض العرب، هي معارك تقريبًا عالمية، يشارك فيها دول ومنظمات وميليشيات، كل يحاول عرقلة التقدم العربي، إلا أن هذه العرقلة تؤخر الفرج ولكن لا تقطع بعدم قدومه.

في اليمن يحاول تحالف صالح – الحوثي العودة من جديد إلى الوراء، وحتى لو كانت إيران بكل ما لديها من موارد خلف تلك العودة الإجبارية، فإن العودة إلى الماضي اليمني، سواء الصالحي أو الإمامي، ضرب من الخيال، مهما حاول البعض أن يطمئن نفسه بأن تلك القوى قادرة على إرغام الشعب اليمني بالعودة القهقرى والماضي المتجمد. لقد أخذ الربيع العربي «ضربة على الرأس» قاسية ولكنها غير مميتة، سواء في اليمن أو ليبيا أو سوريا أو حتى العراق، هو الآن في «مرحلة بين المرحلتين»، ومع اندحار «داعش» المتوحش، تسقط المرحلة الأولى من مقاومة «الربيع»، كما تسقط ذريعة بقاء الأنظمة الظالمة لشعوبها، أي عاقل يرى أن المستقبل هو بالتأكيد أن لا عودة إلى الماضي، قد يبقى بشار الأسد لبعض الوقت في دمشق، ولكن مرحلة «بشار» التاريخية انتهت إلى غير رجعة، حتى لو شعر النظام السوري اليوم بـ«صحوة الموت»! كما قد يبقى صالح – الحوثي لبعض الوقت، إلا أن مستقبل اليمن هو خارج سلطتهم.

العالم جميعه يمر بمرحلة «إعادة هيكلة»، وهو الآن يحبس الأنفاس، فقط في انتظار أشهر أربعة أو أكثر إلى أن تستقر نتائج الانتخابات الأميركية، لست من السذاجة حتى أقول أو أقنع القارئ بأن نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة سوف تقوم «بحل كل المشكلات القائمة» ولكن أيضًا من السذاجة أن نتوقع أن الأمور سوف تسير على المنوال ذاته بعدها، لا بسبب عاطفي، ولكن بسبب موضوعي، فالولايات المتحدة تمر بمنعطف اجتماعي – سياسي – اقتصادي كبير، ومهما كانت القرارات هناك فسوف تؤثر في بقية العالم ومنه منطقتنا. هل يتراجع النفوذ الأميركي فقط لأن الاتحاد الروسي أراد ذلك؟ ليس من طبيعة الأمور! وقد تفاقم الصراع بين القوتين الكبريين إلى درجة تعرض أمن العالم إلى الخطر ربما ولكن المؤكد أن توازن القوى لن يبقى كما كان في الأشهر الأخيرة من حكم إدارة الرئيس باراك أوباما، التململ بين الجمهور الأميركي واسع باتساع جمهور دونالد ترامب، فالظاهرة الترامبية، إن صح التعبير، هي عرض من غرض أعمق، شعور متسع بفقدان المبادرة وفقدان الأسواق في آن معًا! لذلك فمن الأفضل أن نعد أنفسنا إلى مرحلة جديدة، تختلف كليًا عن السنوات الخمس السابقة!

آخر الكلام:

يتعاطى معظمنا مع الظواهر التي أطلقها الربيع، كالعنف المفرط وانقسام الأوطان، في الغالب، بردات الفعل، يفوتنا أن ما يحدث هو تعبير الجزء عن الكل، وذلك يحتاج إلى فعل لا ردات فعل.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎