اتجاهات

المشرق العربي.. مئة عام من الأوهام

عبد الوهاب بدرخان

عبد الوهاب بدرخان

عبد الوهاب بدرخان كاتب رأي

+A -A
تاريخ النشر: 26 أكتوبر 2016 2:38 GMT

معلوم أن كل القوميات، لا سيما الكردية، لم تكن راضية عن تلك الترتيبات، لأنها خرجت منها مقسّمة على أربع دول، كما أن العديد من الأقليات الدينية والعرقية قبلت على مضض المصير الذي رسم لها، بل لم ترضخ له إلا لقاء ضمانات خارجية، ما مكّن الدول المعنية من أن تواصل لعب الدور الذي بدأته في العهد العثماني من خلال الامتيازات التي حصّلتها من السلطنة آنذاك لاكتساب صلاحية رعاية الأقليات.

عبدالوهاب بدرخان

وضعت محاور ومناقشات المنتدى الحادي عشر لجريدة «الاتحاد» الأيدي عل كل الجروح التي ألمّت بالمنطقة العربية بعد مئة عام على معاهدة «سايكس بيكو» والمعاهدات الأخرى التي تلتها. فقبل قرنٍ بالتمام والكمال اندثرت الإمبراطورية العثمانية وولدت دول بخرائط رسمها ساسة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وكان الهدف، كما قيل، توزيع تركة «الرجل المريض»، بإرضاء العرب والمسلمين مع محاولة ضمان حقوق الأقليات، لكن الهدف كان أيضاً توزّع المصالح عبر وضع الدول الوليدة أو الموجودة تحت الانتداب الذي شكّل وصايةً وتحكّماً في نشأة تلك الدول وتخليقها. معلوم أن كل القوميات، لا سيما الكردية، لم تكن راضية عن تلك الترتيبات، لأنها خرجت منها مقسّمة على أربع دول، كما أن العديد من الأقليات الدينية والعرقية قبلت على مضض المصير الذي رسم لها، بل لم ترضخ له إلا لقاء ضمانات خارجية، ما مكّن الدول المعنية من أن تواصل لعب الدور الذي بدأته في العهد العثماني من خلال الامتيازات التي حصّلتها من السلطنة آنذاك لاكتساب صلاحية رعاية الأقليات.

وما كان مفهوماً عندئذ كـ«مرحلة انتقالية» تحتاج فيها الدول الناشئة إلى مساعدة للانتظام والتدستر، تحوّل بعدئذ إلى تدخّلات ممأسسة ما لبثت أن تبدّلت بدورها متأثّرةً بتحوّلات النظام الدولي والتغيّرات التي طرأت عليه ونقلته إلى استقطاب ثنائي غربي (أميركي) – شرقي (سوفييتي)، بعدما تراجعت قوى دولية كانت جزءاً من التعددية القطبية. وبطبيعة الحال بدأت منذ الأيام الأولى لتلك القسمة الدولية محاولات العرب لتوحيد أنفسهم، إلا أن دول الانتداب القديمة والدول الكبرى الصاعدة بدّدت كل جهد لتحويل «الثورة العربية الكبرى» إلى «دولة عربية كبرى»، وحتى بعد مرحلة الاستقلالات التي امتدت إلى مطلع ستينيات القرن الماضي ونشوء «الدول الوطنية»، لم تكن القوى الخارجية المعنية بالتدخلات لتشجِّع أيّاً من «مشاريع الوحدة» التي طُرحت تباعاً قبل زرع إسرائيل في قلب المنطقة العربية. لا يعني ذلك أن «مشاريع الوحدة» كانت لتعالج مشاكل الولادات المشوّهة لتلك الدول أو لتمكّنها فعلاً (بإمكاناتها البدائية) من مواجهة المشروع الغربي الصهيوني وما فرضه من ظلم تاريخي لا يزال متسلّطاً على الشعب الفلسطيني، أو حتى لمواجهة ما سبّبه من تشويش لعقل سياسي عربي كان في المراحل الأولى لانعتاقه المفترض من العهد الاستعماري الطويل بوجهيه العثماني ثم الغربي.

منذ تلك الحقبة انحسم التنافس على تثبيت «مدنية» الدولة إلى غلبة عسكريتها التي ألقت بظلّها على النصف الثاني من القرن العشرين، لتتحكّم بـ«تطوير» الدولة، بالأحرى منعها من بناء مؤسسات، وبحركة المجتمعات عبر تبديد الاحتكام المتساوي أمام القانون، وبتقديم الفئوية والمحسوبية في أولويات التنمية وتوزيع الثروة، لكن «الدولة القوية» بجبروتها القهري في الداخل كانت هشّة ومكشوفة أمام الخارج، ومع أن معادلة التخاصم مع الداخل في مقابل التصالح أو التبعية للخارج، ظلّت الوصفة الضرورية لبقاء الأنظمة، فإنها ظهرت الآن بكامل كارثيتها على الدول والاقتصاد، على الأمن والاستقرار، وعلى النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى تهديد البلدان في كياناتها الجغرافية. ورغم أن تفجّرات الأعوام الخمسة الأخيرة بدت كأنها صدفة تاريخية مستهجنة، فإنها مثّلت المشهد الأخير لانهيارات اعتملت على مدى عقود وتجمّعت فيها كل الاحتقانات، بين حكام ومحكومين، بين «إسلاميين» و«مدنيين»، بين طبقات اجتماعية وبين طوائف ومذاهب، وبين قوميات وأعراق. إنه مشرق عربي استهلك مئة عام في إنتاج الأوهام وتجب إعادة إنتاجه مجدّداً، مع القليل أو الكثير من «التنقيح» الجغرافي. ومرّة أخرى سيتكرّر سيناريو «سايكس بيكو»، لكن بأسماء جديدة.

لم يتوصّل المشروع الإسرائيلي الصهيوني من إطلاق شرارة التصدّعات العربية، وهي من ضمن وظيفته في الإقليم، لكنه استحصل على تنازلات لقاء محاولاته المركّزة في أكثر من موقع. كانت له اختراقات داخل الأقليات وقنوات لتسميم التناقضات، إلا أنه افتقد دائماً «ولاء» مكوّن اجتماعي يستند إليه في عملية زعزعة مطّردة في عمق المجتمع. أما المشروع الإيراني الفارسي فاستطاع سدّ هذه الثغرة بظواهر مثل «حزب الله» و«الحوثيين» وميليشيات العراق والنظام الأقلّي في سوريا.. لذلك اتّسم دوره بفاعلية أكبر في استغلال الاحتلال الأميركي للعراق، وتسعير الانقسامات الأهلية، واستخدام الانتفاضات الشعبية.. للشروع في تفتيت الدول وتفكيك الجيوش. ويبدو المشروعان كأنهما مهّدا لتدخل أميركا وروسيا، متخذتين «شرعيةً» من «محاربة الإرهاب»، وكأن المشرق العربي أنتج أيضاً الإرهاب، إلى جانب الأوهام.

الاتحاد

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك