شرق إيراني أم تركي على أنقاض الموصل وحلب؟

شرق إيراني أم تركي على أنقاض الموصل وحلب؟

جورج سمعان

السباق على القسمة اليوم بين إيران وتركيا. تسعى الدولتان إلى وراثة بريطانيا وفرنسا. تحاولان بالحديد والنار والانخراط المباشر رسم حدود نفوذهما كما فعلت الدولتان الأوروبيتان قبل قرن بالتمام. يومذاك كان الاتفاق بين فرنسوا جورج بيكو ومارك سايكس، وكانت روسيا القيصرية طرفاً لكنها انشغلت عنه بنفسها بعد قيام الثورة. كان أهل المشرق مغيبين ولم تتحقق الوعود التي أُغدقت عليهم. التاريخ يعيد نفسه. ولكن بفجاجة هذه المرة. فالعرب شركاء في هذه القسمة. ينفذونها بأيديهم لمصلحة الآخرين. قائد «الحرس الثوري» اللواء محمد علي جعفري يصرّح ببساطة وارتياح بأن بلاده هي «التي تقرر مصير سوريا»، وبأن على الدول الكبرى أن تتفاوض معها لتحديد مصير دول المنطقة بما فيها سورية»! ورأى أن «الدفاع المسلح عن الثورة خارج حدود إيران هو توفيق إلهي عظيم جداً لا يناله أي شخص». قبله مع بدايات «الربيع العربي» تباهى المسؤولون في طهران بأن الجمهورية الإسلامية اتسعت حدودها حتى شاطئ المتوسط والبحر الأحمر. وباتت حاضرة في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وكان علي يونسي مستشار الرئيس حسن روحاني أعلن العام الماضي أن بلاده عادت «إمبراطورية، كما كانت عبر التاريخ، وأن بغداد عاصمتها»، وأن «كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية».

وتركيا هي الأخرى لا حدود لطموحها. وهي تخوض صراعاً على جبهتي دمشق وبغداد اللتين ترفضان تدخلها وانخراطها في الحرب الدائرة. أطلقت «درع الفرات» على رغم محاذير كثيرة من الغرق في المستنقع السوري. أفادت من التحول في سياستها الخارجية وعودة العلاقات مع روسيا، ومن نجاحها في السيطرة على الأوضاع الداخلية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، لتنطلق مجدداً نحو الإقليم. ولا تخفي أجندتها، تماماً كما هي حال إيران. تصريحات المسؤولين والدوائر الإعلامية التي تدور في فلك حكومة «حزب العدالة والتنمية» فتحت كتب التاريخ والجغرافيا القديمة عن الموصل كأنها مدينة انتزعت من تركيا بعد اتفاق أنقرة في 1926 مع بريطانيا والعراق. وتريد استعادتها كما استعادت جمهورية أتاتورك لواء الإسكندرون من فرنسا في ثلاثينات القرن الماضي. الرئيس رجب طيب أردوغان تحدث عن مساحة السلطنة وكيف تقلصت بعد سقوطها. يريد توسيع حدود البلاد مجدداً. لذلك، لم يتوانَ عن خوض صراع مع بغداد وواشنطن من أجل توكيد مشاركته في معركة الموصل. تحدث بلا تكلف أو ديبلوماسية: لن يسمح بتغيير ديموغرافي للمدينة ومحافظة نينوى. لن يسمح بدخول الميليشيات الشيعية، أي «الحشد الشعبي». كيف يمكن إيران أن تتمدد حتى حدود بلاده، هي البعيدة منها، ويحظر عليه التقدم هو الآخر وإن تحت شعار «حماية الأمن القومي»؟ ولن يسمح أيضاً بانتشار «حزب العمال الديموقراطي» الذي يسابق أربيل في سنجار مقدماً نفسه حامياً للإيزيديين، وهي تطارده في سوريا أيضاً.

تركيا حريصة على أن تقدم نفسها، كما الآخرون، طرفاً أساسياً في الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزه. ولها دورها ومصالحها وحساباتها السياسية والاقتصادية. ولا تزال لاعباً دولياً فاعلاً في رسم مستقبل المنطقة ونظامها. رغم ذلك لم يرق السباق بينها وبين إيران على وراثة تركة «سايكس – بيكو» إلى مواجهة مكشوفة ومباشرة بينهما، لا في العراق ولا في سوريا. تكتفيان بالأدوات المحلية. وتحرصان على علاقاتهما، وتفاهمهما على وأد التطلعات الكردية في الإقليم وتلتقيان في ذلك مع بغداد ودمشق. لكنهما تشكلان عملياً مع أطراف عربية كثيرة عصب الصراع المذهبي في المنطقة. وخطوط التماس بينهما تقترب من ريف حلب الشمالي والشرقي إلى الموصل وتل عفر ومحافظة نينوى.

معركة الموصل مفصلية. وليس الصراع بين القوى الإقليمية الكبرى، خصوصاً تركيا وإيران، هو العامل الوحيد الذي يضفي عليها تعقيدات جمة لم تشهدها الحرب لاستعادة ما سبقها من مدن عراقية كالرمادي والفلوجة وتكريت وغيرها. ثاني أكبر مدن العراق ومحافظة نينوى عموماً تختصران الخريطة الديموغرافية للعراق كله بطوائفه ومذاهبه وإتنياته. تتداخل في هذه الخريطة فسيفاء سكانية من السنّة والكرد والتركمان والمسيحيين والإيزيديين والشبك الشيعة. أضف إلى ذلك أن ثمة حشداً واسعاً من القوى المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في الحرب على «داعش». وكل من هذه القوى تحمل أجندتها الخاصة ولها حساباتها ومصالحها. وإذا كان القضاء على «تنظيم الدولة» فيها سيقوض آخر معاقله وأهمها في بلاد الرافدين، فإن الصراع على الإمساك بالمدينة والمحافظة سيكون أكثر تعقيداً وصعوبة. وهو ما تؤشر إليه الصراعات القائمة. حتى الروس الذين ظلوا إلى الآن بعيدين من الانخراط الميداني في هذه المعركة، سارعوا إلى استغلالها باتهام التحالف الدولي بارتكاب جرائم حرب. بالطبع هم يردون بالمثل على اتهام الغرب لهم بارتكاب مثل هذه الجرائم في معركة حلب.

لذلك، ليس مبالغة القول أن ما بعد الموصل لن يكون كما قبلها. استعادة المدينة ومآل قيادتها سيرسمان مشهداً استراتيجياً ليس في العراق وحده. بل سينعكس على سوريا ودول الجوار كلها. سيعاد إلى حين ربما ترميم الحدود التي كسرتها «دولة الخلافة»، لكن الحدود بين مكونات أهل المشرق ستظل عصية على الترميم بينما تقيم دول أخرى حدوداً جديدة. فإذا كان ثمة تفاهم بين واشنطن وموسكو على أن تكون سورية لهذه والعراق لتلك، فإن مثل هذه القسمة قد لا تستقيم وتتوافر لأنقرة وطهران. لعلهما تلعبان في الوقت الضائع، بانتظار أن تقوم إدارة أميركية جديدة، أو بانتظار يالطا ثانية بين القوى الكبرى. فإذا كان إنهاء الوضع في سوريا آل في النهاية إلى روسيا، بعد عجز إيران وحليفها نظام الرئيس بشار الأسد، فإن القرار سيعود إلى الكرملين أياً كانت تصريحات قائد «الحرس الثوري». وإذا كان مآل الحرب على الإرهاب في بلاد الرافدين انتهى بيد الولايات المتحدة بعد عجز بغداد و «حرسها الثوري»، فإن اليد العليا ستؤول إلى الإدارة الأميركية… إلا إذا كان الخوف من «اليوم التالي» الذي طبع سياسة الرئيس باراك أوباما سيترجم على أرض الواقع مزيداً من الحروب الأهلية في المشرق العربي كله. وحتى روسيا قد لا تكون مرتاحة من تداعيات «اليوم التالي» في بلاد الشام وإن قيّض لها أن تعيد حلب إلى حضن النظام في دمشق.

تحرير الموصل سيخلق مشهداً جديداً. قد لا تقبل إيران بتفرد أهل السنّة بحكم المدينة والإقليم، خصوصاً أن حكومة حيدر العبادي دافعت عن مشاركة «الحشد الشعبي». ومهدت طهران للمعركة بتعليق كل المعارك الجانبية بين قوى «الائتلاف الوطني» الشيعية. لكن الأمر لن يكون سهلاً. فالطريق من الموصل لخروج مقاتلي «داعش» إلى الرقة مفتوح. ولا تبدو واشنطن مستعجلة لمطاردة التنظيم وتحرير المدينة السورية. ربما ارتأت ترك هذه «الهدية» لروسيا التي تصب جل قوتها وحربها على دعم نظام الرئيس بشار الأسد. وكذلك لإيران التي أصرت وتصر على معركة حلب وعلى الحسم العسكري في سوريا. الربط بين الميدانين العراقي والسوري سيفاقم استنزاف المنخرطين في الحرب مباشرة. بعد الموصل وحلب والرقة غداً أو بعده سيكتمل مشهد الفوضى وما خلفت وستخلف. وليس هناك ما يشي بأن القوى العربية سيكون لها دور مؤثر في رسم النظام الإقليمي الذي سيقوم على أشلاء ما يبقى من عواصمها وحواضرها. والنظر إلى الخريطة «من المحيط إلى الخليج» يقدم صورة عن الحرائق المشتعلة هنا والدخان المنذر بحرائق جديدة هناك. فيما يستعر الصراع بين أهل الخارج على تقاسم تركة «سايكس – بيكو» بأيدٍ عربية.

الحياة