السعودية ولبنان في كتاب

السعودية ولبنان في كتاب

حسام عيتاني

على مدى ألف صفحة، يروي عبد الرؤوف سنّو قصة العلاقات السعودية – اللبنانية، منذ سبعين عاماً ونيف، بتفاصيلها وتعرجاتها وخباياها مع تعريف بالشخصيات التي ساهمت في إرسائها والجهات التي عملت على تعكيرها.

قد لا يكون صدور كتاب «السعودية ولبنان – السياسة والاقتصاد 1943 -2011» («دار الفرات» – 2016) بجزءيه، في منأى عن المناخ الذي داخل علاقات البلدين منذ أعوام عدة بسبب الاختلاف في الموقف من الثورة ثم الحرب في سورية وتضخم دور «حزب الله» في لبنان كانعكاس للتمدد الإيراني في المنطقة بأسرها، لكن الكتاب يلقي الضوء على خلفيات هذه المواقف ويسعى إلى الموضوعية في الطرح ما جعل عدداً من الصحف يتردد في عرضه أو الحديث عنه، كلٌّ لأسبابه.

يصدر كتاب المؤرخ والأستاذ الجامعي عبد الرؤوف سنو، إذاً، في وقت حساس من تاريخ العلاقات بين السعودية ولبنان. بل في مرحلة صعبة من تاريخ لبنان الذي يتخبط في أزمات سياسية واقتصادية عميقة منذ أعوام عدة. وقد يكون الكتاب الذي شخّص بتفاصيل دقيقة، استمدها من بحث واسع في المصادر الأرشيفية ومن مقابلات مع شخصيات لبنانية عاصرت الأطوار المختلفة من علاقات البلدين، من المحاولات القليلة التي حملت موقفاً صريحاً من السياسات السعودية حيال لبنان، إلى جانب خلفية تفصيلية (ربما أكثر من اللازم) في مواقف المسؤولين السعوديين من القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية.

بيد أن موقف سنّو النقدي من المآلات التي أفضت إليها السياسات السعودية في المنطقة وفي لبنان، لا ينبغي أن يوضع في سياق المواجهة التي تخوضها ضدها أطراف إقليمية ودولية حالياً. بل يجوز القول إنه يتأسس على رأي الكاتب المؤيد للتعاون العربي وأهمية تعميق التنسيق فيه ضمن مفهوم المصالح العربية العليا مع الأخذ في الاعتبار الدور الكبير المناط بالسعودية منذ ما بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 على أقل تقدير.

وعلى غرار أي عمل نقدي جدي، يستعرض سنّو مراجعه ومصادره بدقة وروية بعيداً من الانحيازات المسبقة ليصدر حكمه استناداً إلى ما أظهره البحث الموضوعي من نتائج. وليس سراً أن على الباحث وضع مسافة بينه وبين عمله حتى لو جاءت النتائج على غير ما يرغب.

لذلك، يتحمل المؤلف عبء وصف العلاقات اللبنانية – السعودية بكلمات واضحة خصوصاً في المقدمة التي تشكل ملخصاً وافياً عن نتائج البحث وعن منهجه في آن. فالسياسات الخارجية السعودية التي قامت على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، انعكست مساهمة في العمل على وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية وصل إلى ذروته في اتفاق الطائف الذي جرى برعاية سعودية. لكن سنّو لا يتردد في وصف الأعوام التي أعقبت التوصل إلى الاتفاق بغلبة الهيمنة السورية على لبنان. عبر عرض غني بالتفاصيل والوقائع، يصل إلى الأعوام القليلة الماضية خصوصاً بعد اغتيال رفيق الحريري والأزمة التي لا يزال لبنان غارقاً فيها، مفصلاً المحطات الأساسية فيها لينتهي القسم السياسي من الكتاب مع إطاحة تحالف «حزب الله» وحركة «أمل» و «التيار الوطني الحر» حكومة سعد الحريري في 2011.

ومن المثير للاهتمام في الجزء الثاني من الكتاب المخصص للعلاقات الاقتصادية، الإشارات الكثيرة إلى اللبنانيين الذين عملوا في السعودية قبل بداية عصر النفط وأوجه نشاطهم والصلات التي أنشأوها مع السعوديين.

لعل هذا الكتاب يؤسس لنظرة أكثر عقلانية لمستقبل العلاقات بين بلدين أصيبت في الأعوام الماضية برضوض عميقة.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎