خلط الأخلاق!

خلط الأخلاق!

زياد الدريس

حين تتداخل الأمور، وتتقلص القدرة على فرز الصواب من الخطأ، وترتبك المواقف والقرارات، توصف هذه المرحلة بأنها عملية خلط للأوراق. وهي في الغالب عملية غير عفوية، بل يقف خلفها فاعلٌ مستفيد من هذا الخلط الذي يؤدي إلى إرباك المفعول به.

لا توجد حالة يمكن وصفها بأنها مرحلة خلط للأوراق أكثر مما يجري في العالم العربي الآن. فعملية الخلط في الحالة العربية الراهنة تجاوزت المعهود بأن الفاعل هو الذي يقوم بالعملية إلى درجة أن المفعول به يشارك هو أيضاً من جانبه في الخلط!

حين يشارك المفعول به مع الفاعل في خلط الأوراق فإن هذا يدل على تجاوز مرحلة خلط الأوراق إلى خلط الأخلاق. وعندئذ تشيع الانتهازية والفردانية والتبريرية، ويتم استبدال الوصول إلى الثراء والجاه عبر طريقٍ طويل في وضح النهار إلى طريقٍ مظلم لكنه قصير ومختصر.

سيقولون لك، مبررين رفضهم حديث الأخلاق، إن السياسة لا أخلاق لها بل مصالح، وقد كنا نعهد أن هذه المقولة حصرية للسياسيين ومفهومة ومبررة لهم، أما الآن فقد أصبحت صالحة لاستخدام الإعلاميين والمثقفين والكتّاب والمحلّلين، وكأن الناس كلهم أصبحوا سياسيين!

في تاريخ البشرية الطويل، كان الإنسان دوماً يجد حرجاً وصعوبة في تبرير موقفه الأخلاقي حين يُطلب منه ذلك، لكنه يجد عشر ذرائع لتبرير موقفه غير الأخلاقي، حين تطلب نفسه ذلك!

إذا كُنتَ ممن يحرص حقاً على الالتزام بأخلاقيات العيش والتعايش فلا تعتمد أبداً على قدرتك الداخلية في تبرير أفعال ومواقف جديدة كُنتَ تراها، قبل وقتٍ قريب، مواقف غير أخلاقية، إذ تنطوي دواخلُ كل واحد فينا على قدرات فذة لتبرير ما نشتهي، وتحويله من قوائم المواقف اللاأخلاقية إلى قوائم الأخلاقية. ثم مع الزمن والتمرّس في التبرير يصل هذا الإنسان المتحوّل إلى درجة متقدمة تجعله ينظر إلى المواقف الأخلاقية للآخرين بوصفها: سذاجة وسطحية وقصوراً في فهم الواقع ومثالية ليس هذا زمانها ولا مكانها.

عندما يَكثُر شتم (المثالية) يصبح من المؤكد أننا في زمن إعادة تعريف (الأخلاق) وتصنيفها!

نقلا عن ”الحياة“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com