سوف نرى! – إرم نيوز‬‎

سوف نرى!

سوف نرى!

سليمان جودة

روى لى الراحل الكبير أحمد أبوالفتح أن إحدى حكومات ما قبل يوليو 1952 أرسلت يوماً تطلب المشورة فى مسألة اقتصادية من بلجيكا، فكان رد صاحب الشأن فى العاصمة البلجيكية أنه من العيب جداً على دولة فيها عقل بحجم عقل إسماعيل صدقى باشا أن تطلب مشورة اقتصادية من أحد!

طاف ما سمعته من «أبوالفتح» فى ذهنى، وأنا أتابع لجوءنا إلى صندوق النقد الدولى، من أجل تنفيذ خطة إصلاح لأحوال اقتصادنا المتردية.. وتساءلت بينى وبين نفسى: هل البلد الذى أنجب صدقى باشا، وأنجب العشرات مثله قبل الثورة، قد توقف عن إنجاب رجال من تلك العينة؟!

بالقطع، هناك رجال بيننا الآن، فى مقدرة عقل صدقى باشا، وربما أكبر مقدرة، غير أن السؤال دائماً يظل عما إذا كان صاحب القرار يسألهم، ويلجأ إليهم، ويطلب مشورتهم، ويسمع منهم، أم أنهم مهمشون يجترون آلامهم، وهم يتابعون المشهد المحزن صورة وراء صورة؟!

إننى أتفهم تماماً موقف الأساتذة والزملاء الذين يرون أن قرض الـ12 مليار دولار، الذى نفاوض الصندوق عليه هذه الأيام، لا بديل عنه، وأنه، بالتمويل الدولارى المتاح من خلاله، يضع أمامنا فرصة لإصلاح أوضاع سيئة متراكمة، ربما لا نجد أنفسنا أمامها مرة أخرى!

أتفهم هذا تماماً، وأتمنى فى الوقت ذاته، لو كان عندنا بديلنا الخاص، الذى نستطيع به الابتعاد عن الصندوق، وعن علاجه الذى يضعه، وعن روشتته التى يريد بها ضمان أن تعود قروضه إليه.

ثم أتساءل: لماذا قرر الصندوق، فيما بعد عام 1970، تغيير مسمى العلاج الذى يصفه لاقتصادات الدول المريضة، من «شروط» إلى «مذكرة نوايا»؟!

هل كان تغيير المسمى هرباً من جانبه، من المسؤولية عن الحالات التى لا ينجح فيها علاجه؟!.. إن الطبيب إذا وصف دواء لأى مريض، أدى إلى موته، لابد أن يقع عليه قدر من المسؤولية، خصوصاً إذا كان موت المريض بسبب تناوله للدواء الموصوف تحديداً، وليس بسبب تكاثر أوجاع المرض عليه.

هل هذه الحيلة التى لجأ إليها الصندوق هى التى صارت تخلى مسؤوليته عن أى إخفاق يلحق بالدول التى طرقت أبوابه، وطلبت قروضه؟!.. وهل مذكرة النوايا، التى قيل فى صحف الأمس إننا سوف نوقع عليها بالأحرف الأولى مع الصندوق، الأسبوع المقبل، هى نفسها شروطه القديمة، مع تغيير فى المسمى فقط، حتى لا تقع عليه أى مسؤولية، إذا عجز العلاج الموصوف عن تحقيق أهدافه؟!.. وهل نحرر نحن مذكرة النوايا إياها، أم أنه هو الذى يحررها ويطلب توقيعنا عليها، وكأننا نحن الذين وضعناها، وصنعناها، وبالتالى فلا مسؤولية تقع عليه عند اللزوم؟!.. اعتقادى الذى أتمنى أن يكون خاطئاً أن الصندوق ليس فاعل خير، ولا هو جمعية خيرية، ولا هو حريص إلى هذه الدرجة على أن يرى اقتصادنا فى وضع يسعدنا.. وسوف نرى!.

نقلا عن ”المصري اليوم“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com