استعادة الاستقرار والقرار..كيف؟ – إرم نيوز‬‎

استعادة الاستقرار والقرار..كيف؟

استعادة الاستقرار والقرار..كيف؟

رضوان السيد

المشهور عن الانتخابات الرئاسية الأميركية أنّ موضوعات الاهتمام فيها دائماً هي الموضوعات الداخلية. فإذا عرض أمرٌ خارجيٌّ واضطروا إلى الحديث عنه علَّلوا ذلك بأنه يهدد الأمن القومي الأميركي، والمصالح الاستراتيجية الأميركية. أمّا هذه المرة فالاهتمامات الخارجية تكاد تنافس الاهتمامات الداخلية. وقد دعا ذلك بعض المراقبين إلى القول إنّ الظروف الدولية اليوم بالنسبة إلى الأميركيين، تكاد تُشبه ظروفهم عندما كانوا يقاتلون بفيتنام (1965-1975). وهذا يعني في نظر جوزف ناي الباحث الاقتصادي الأميركي البارز أنّ الرئيس أوباما فشِل في فصل قضايا ومشكلات الداخل عن الخارج. وقضية أوباما الرئيسة هي تجنب إرسال جيوش أميركية إلى الخارج، كما فعل الرئيس بوش الأب، والرئيس بوش الابن. وفي الحالتين فإنّ الأب والابن أرسلا جيوشاً إلى العراق، فكرّرا، في نظر أوباما، التجربة الفاشلة للأميركيين بإرسال الجيوش إلى فيتنام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

أين ظهر الفشل الأميركي المستجد؟ لقد ظهر أيام الرئيس بوش الابن في الحرب على العراق. أما أيام الرئيس أوباما فقد ظهر في العراق وسوريا، وظهر في حلّ النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وظهر أخيراً في العلاقات مع إيران، وفي العلاقات مع روسيا الاتحادية. وإذا تأملنا الأمر على نحوٍ جادّ فإنّ وجوه الفشل الأميركي هذه، هي وجوه فشلٍ عربية. فكل المشكلات التي ذكرناها (باستثناء مشكلة الغرب مع روسيا في القرم وأوكرانيا) هي مشكلاتٌ عربية أو أنّ لها وجهاً أو بُعْداً عربياً. وإذا كان الغزو الأميركي للعراق عام 2003 يقع في أصل هذه المشكلات؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ننسى أنّ جموح صدام حسين بالحرب مع إيران، وباحتلال الكويت، ناجمٌ عن عجز العرب عن ضبط صدّام أو فرض الانضباط عليه، وبخاصةٍ في غزوه الكويت من دون داعٍ أو مسوِّغ.

يضع العرب، مسؤولون ورأي عام، المسؤولية في المخاض الهائل المندلع في ديارهم على عاتق الولايات المتحدة في عهدي بوش وأوباما، وفي عهد بوش الابن على وجه الخصوص. لقد أرادوا ألا يعقد أوباما اتفاقه مع إيران على النووي، إلاّ إذا تعهد الإيرانيون بإيقاف عدوانهم على العرب وبلدانهم ومجتمعاتهم. وأرادوا أن يتدخل أوباما عسكرياً لإسقاط الأسد، أو أن يقدم دعماً حقيقياً إلى المعارضة السورية المسلحة من خلال تركيا وبالتنسيق مع السعودية. وكل هذه الأمور أسباب مباشرة، وكذلك الشأن في التعامل مع الإرهاب. فضعف الدول والمجتمعات واستنزافها بعد غزو العراق، هو الذي ولَّد «النصرة» و«داعش»، وشجّع الإيراني والروسي.. إلخ على التدخل في كل مكانٍ للإفادة من هذا الضعف الذي أحدثه الأميركيون بجيوشهم وسياساتهم.

لكنْ لننظرْ إلى الوجه العربي للمسألة. فالعراق بلدٌ عربي، وسوريا بلد عربي، وكذلك لبنان وليبيا واليمن. وقد انتشر الاضطراب في تلك البلدان نتيجة التدخل الإرهابي أو الإيراني أو الطغيان، وما تدخل من الأميركيين باستثناء العراق. ولذلك إذا كان الأميركيون مسؤولين؛ فإنّ العرب مسؤولون أيضاً، لأنها بلدانهم هم بالدرجة الأولى. وقد تحملت السعودية ودول الخليج المسؤولية في البحرين، وهي تتحملها في اليمن. أما البلدان الأُخرى المضطربة فقد تُركت تحت رحمة الخارج الإيراني والروسي. ذلك أنّ العرب الآخرين لا استطاعوا فعل شيء ولا أرادوا، وقد اعتادوا التدخلات الأجنبية والاستسلام لها في معظم الأحيان في زمن الحكومات العسكرية والأمنية.

ما أُريد التوصل إليه أنّ هناك حاجةً عربيةً هائلة تكاد تكون وجودية لاستعادة الاستقرار والقرار. بل أكاد أقول إنّ الاستقرار لا يكون إلاّ باستعادة استقلالية القرار. والاستقلالية لا تعني إرسال الجيوش إلى كل مكان من أجل فرض أمر واقع، فهذا يكاد يكون مستعصياً في هذا الزمان. وإذا كانت أميركا قد أعرضت، فلا شك أنّ العرب ليسوا أكثر قدرة. ولأنّ الأميركيين قد عجزوا أيضاً دون التوقف عن التدخل بهذا الشكل أو ذاك، فلا مناص من التعاون والتنسيق والشراكة. وهذا الوضع أفضل بكثير من الشكوى الدائمة ولعن الولايات المتحدة ودورانها في سياسات غير مجدية. على العرب التضحية بالأوهام، وعلى الأميركيين اعتماد أخلاق المسؤولية بالفعل، وليس بالقول والدعوى وحسب.

إنها باختصار دعوة إلى التعاون بين العرب والأميركيين في القضايا التي تهم العرب وتهم الأميركيين، ولا يمكن أن ينجح أحد الطرفين من دون الآخر. وكلا الطرفين موجود، لكنه يفتقر إلى الإرادة والفعل. ويا للعرب!

نقلا عن ”الاتحاد“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com