أبرز دلالات الحدث التركي – إرم نيوز‬‎

أبرز دلالات الحدث التركي

أبرز دلالات الحدث التركي

حازم صاغية

يشترك الجنرالات الانقلابيّون في تركيا، ومعهم جمهورهم المؤيد لهم في بلادهم وفي العالم العربي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه «حزب العدالة والتنمية» وجمهوره التركي والعربي المؤيد له، في سمتين غالباً ما تأتيان متلازمتين:

فهناك، أولاً، استهانة واستخفاف بالعملية الديمقراطية لا تُفسر من دونهما المحاولة الانقلابية الفاشلة التي اتهم أردوغان الداعية الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية فتح الله غولن بالوقوف وراءها. فهؤلاء الضباط الانقلابيون تصرفوا وكأن التحول السياسي والحزبي الذي شهدته البلاد مع مطالع هذا القرن الحادي والعشرين أمر قابل لأن يُسحب من التداول، بحيث يعاد إخضاع تركيا لحكم العسكر الذي نُحي عن السياسة منذ ذاك الحين، كما يصار مجدداً إلى تسيير البلد بقوة الانقلاب العسكري، علماً بأن تركيا خصوصاً عانت منه ما عانته في الحقبة ما بين 1960 و1997، حيث تعاقبت عليها أربع عمليات انقلابية.

ولئن كتم الجمهور التركي المؤيد للانقلاب فرحته بسبب فشل المحاولة، خوفاً من عقاب أردوغان، فإن الجمهور العربي المؤيد للانقلاب لم يتباطأ في التعبير. فمنذ الإعلان الأول عن الانقلاب، وقبل اتضاح فشله، انفجرت موجة فرح وحبور وشماتة في أوساط الممانعين من أنصار بشّار الأسد ونظامه. وإذا صح أن الموقف من سوريا كان ولا يزال المحرك الأكبر لهذا الاحتفال بالمحاولة الانقلابية في تركيا، بقي أن مسألة الديمقراطية لا تهمّ ولا تعني هذا الجمهور المحتفل، لا من قريب ولا من بعيد. وهو أمر ينبغي ألا يكون مفاجئاً ما دام النظام الأمثل في نظر هؤلاء، أي النظام السوري، هو ما قام عن طريق انقلاب عسكري دفعه أصحابه بعد بضعة أعوام إلى سوية التوريث الجمهوري.

والبائس أن أردوغان لم يكن أحسن حالاً. فهو أيضاً ومنذ ما قبل المحاولة الانقلابية، يحكم البلد انقلابياً، موسّعاً هامش التفويض الذي تمنحه إياه العملية السياسية والدستورية في اتجاه إقامة نظام رئاسي شبه مطلق. هكذا، حين حصلت المحاولة العسكرية، بدا الأمر وكأنه الذريعة التي ينتظرها «السلطان» الجديد لتصعيد تعديه على المجتمع المدني في تركيا ولحكمها بقرارات الطوارئ والاستثناء. وهذا مع العلم بأن مواقف الأحزاب السياسية المعارضة له جاءت كلها مناهضة للمحاولة الانقلابية ومتمسكة بالديمقراطية ولو في ظل أردوغان. وكان حرياً بالأخير، استناداً إلى مواقف تلك الأحزاب، أن يطمئن إلى مستقبل الديمقراطية ويعمل على تجذيرها، إذ بات واضحاً ذاك الإجماع السياسي والحزبي على لفظ أي حكم عسكري. لكنْ لا.

وعلى رغم قيام أردوغان بما أسمي ب«الانقلاب المدنيّ»، فإنّ جمهوره الإسلامي في تركيا وفي العالم العربي مضى في تعلقه به ودفاعه عنه، كاشفاً، هو أيضاً، أن مسألة الديمقراطية والحقوق المدنية وحقوق الإنسان هي آخر ما يعنيه.

أمّا السمة الثانية الجامعة بين طرفي الانقسام فهي عدم الحفول بالعالم الخارجي بتاتاً. فالانقلابيون كشفوا أنهم مستعدون للذهاب بعيداً في مواجهة الإجماع المناهض للانقلاب العسكري، وفرض أنفسهم على العالم كأمر واقع. والشيء نفسه يمكن قوله عن أردوغان بإطلاقه العنان لتنظيماته الموازية وتعدّيه على العمل بالدستور والقوانين، وخا صةبتجميده العمل بالاتّفاقيّة الأوروبية لحقوق الإنسان، والاستغراق في تأويل تآمري للحدث و«من يقفون وراءه».

والمؤسف في هذا كله أن النقاش بدل أن يدور بين مؤيدي الديمقراطية وخصومها، بات يتركز بين نمطين من الانقلاب على الديمقراطية التي تبين، مرة أخرى، أن حساسيتنا حيالها معدومة أو تكاد. فكل الضجيج حولها وحول حقوق الإنسان الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة إنما تكشّف عن كلام لا يتأدى عنه إلا حقوق«نا» في معركة ثأرية وقَبَلية ضد حقوق«هم».

نقلا عن ”الاتحاد“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com