هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: ”أكذب الشعراء !“ – إرم نيوز‬‎

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: ”أكذب الشعراء !“

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: ”أكذب الشعراء !“

سمير عطالله

كانت البندقية ذات يوم دولة كبرى. وخلال الحروب الصليبية، تركت الإيطاليين يذهبون إلى القتال، واكتفت بأن تبيعهم السلاح والمؤن.

ولم تشتهر فقط بعقليتها التجارية والاحتيالية، بل أيضا بأنها أجمل مدينة عائمة. وقد جاءها الشعراء والأدباء من كل مكان يمضون فيها سحابة من العمر، ويكتبون فيها أجمل الشعر.

ولعل أشهر من ارتبط اسمه بالمدينة العائمة كان اللورد بايرون، الذي كتب مرة إلى أصدقائه في لندن يصف حياة الترف التي يحياها: «وحوريتي شابة من البندقية جميلة مثل المَها، لها عينان شرقيتان سوداوان وشعر فاحم لمّاع وصوت مثل الريح في الناي».

غير أن الشاعر الإنجليزي الآخر، شيلي، ذهب إلى البندقية لكي يتعرف عن كثب على حياة الحب التي يعيشها بايرون في مدينة الجندول والغناء، وكتب الوصف التالي: «الحقيقة أن النساء الإيطاليات اللواتي يتعاطى معهن هن من أحقر النساء تحت القمر. إنهن الأكثر جهلاً، الأكثر إثارة للاشمئزاز، الأكثر قسوة.

تتصاعد منهن روائح النوم القوية (التي لا يمكن لأي رجل إنجليزي أن يطيقها)، حسنًا، إن اللورد بايرون يصادق النوع الأسفل من هذه النسوة ومعروف عنه عشقه رقاصة من الدرجة العاشرة».

كلمة رقاصة العربية وجدت طريقها إلى الإيطالية مثل كلمات كثيرة أخرى، من أيام الدولة العربية في صقلية.<br>غير أن القليل من الناس قرأ «تحقيق» شيلي، والكثير منهم قرأ شعر بايرون وحياته في المدينة، وجملته الشهيرة أن «سحر إيطاليا قاتل».

والحقيقة، إن الباحث عن سحر إيطاليا يستطيع العثور عليه في كل مكان. وإذا كانت باريس مهرجانًا متنقلاً، كما قال همنغواي، فإن إيطاليا مشهد سينمائي متكرر. كل شيء يبدو وكأنه بإدارة مخرج من كرسي غير مرئي: طريقة صف الثمار في الدكاكين، التنادي من رصيف إلى رصيف، أناقة الرجال والنساء وحتى المتسكعين، الأصوات المرتفعة، رواد المقاهي الذين يراقبون المارة كأنهم مسؤوليتهم في الحياة، ربطات السباغيتي الملفوفة بالعلم الوطني كأنها قصر الرئاسة، السلال المتدلية من النوافذ إلى البائعين، والصخب الدائم. صخب لدرجة، يقول لويج بارزيني، إنه إذا أراد شاب أن يقول لخطيبته إنه يحبها، اضطر إلى المناداة على ذلك مثل بائعي الصحف.

تستطيع أن تعرف أحوال جميع الإيطاليين، ليس فقط من ارتفاع الأصوات، بل أيضا من مراقبة الوجوه. كل العلامات معبرة وشديدة الوضوح: الغضب والحزن والقلق والفرح والافتخار والشك والتعجب والتشكيك.

في تلك المراحل التي أتحدث عنها، لم أكن طبعًا أعرف ناصر القصبي. لكن لا أحد مثله قادر على تنويع تعابير الوجه الإيطالي، الذي هو في مسرح دائم، عفوي أو معد. وهذه إحدى جماليات إيطاليا، والجزء الطيب من الطبع الإيطالي ملأ الأفلام الأميركية بالعنف. ورغم كثرة الأفلام المهمة التي مثَّلها مارلون براندو، فقد رسخ في ذاكرة محبي السينما في صورة «العراب» الإيطالي الفظ، الذي يدير عائلة من المجرمين.

إلى اللقاء

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com