الانهيار الأكبر – إرم نيوز‬‎

الانهيار الأكبر

الانهيار الأكبر

أيمن الصفدي

لم تعد معالجة الأزمة السوريّة أولويّةً في الحسابات الدوليّة. الأولويّة الآن هي لمحاربة ”داعش“ في سورية جزءاً من الحرب العامة على الإرهاب. ملفّ سورية يكاد يكون الآن حصراً بين يديّ روسيا والولايات المتحدة اللتين اتفقتا على أن تحيّدا خلافهما حول مستقبل سورية السياسي، وأن تعملا وفقاً لمصالحهما المشتركة المتمثّلة في هزيمة ”داعش“.

ومن المتوقّع أن ينجح البلدان في إنهاء سيطرة ”داعش“ المكانيّة في الرقّة وغيرها من المناطق السورية، وفي إطارٍ زمنيٍّ لن يكون أطول بكثيرٍ من ذاك الذي ستحتاجه عمليّة طرد التنظيم الإرهابيّ من الموصل. لكنّ ذلك لن يعني أنّ ”المهمة اكتملت“، حتى لو قالها أوباما متشدّقاً قبل أن يغادر البيت الأبيض، تماما كما فعل جورج بوش حين ظنّ أن الحرب على العراق انتهت.

الحرب الحقيقيّة ستبدأ بعد هزيمة ”داعش“.

في العراق، ستجد الحكومة نفسها في مواجهة انقسامٍ سياسيٍّ اجتماعيٍّ مذهبيٍّ جذّرته سياسات النظام الإقصائية على مدى سنوات ما بعد سقوط دكتاتوريّة صدّام. كلّ المؤشّرات تدل على  أنّ العراق سيفشل في معالجة أزمة المهجّرين والنازحين السُنّة، وسيفشل بدرجةٍ أكبر في إعادة ترتيب نظامه السياسيّ، بما يضمن العدالة والمساواة لكلّ العراقيّين. وستكون النتيجة تسلّل مسخٍ أبشع من ”داعش“ عبر الفشل واليأس والبؤس، لينطلق مسلسل الحرب مع الإرهاب في نسخةٍ ثالثةٍ أطول وأشدّ قسوة.

وفي سورية لا يمثّل ”داعش“ إلّا العنوان الأكثر وضوحاً للعصابات الإرهابيّة. لكن هناك ”النصرة“ والعشرات من الفصائل التي اعتادت القتل العبثيّ، والتي لا تتّفق واشنطن وموسكو أنّ دحرها مصلحةٌ مشتركة. ستظلّ هذه المنظّمات خطراً في سورية مرحليّاً، وخارجها مستقبلاً. وبالطبع هناك النظام الذي يمارس إرهاب دولة، والذي يدفع البلد نحو المزيد من الفوضى التي تتولّد منها، وتنمو فيها، المجموعات الإرهابيّة.

هزيمة الإرهاب عسكريّاً ضرورةٌ أمنيّة. لكن في الشرق العربي تحديداً، وُلد الإرهاب في فوضى العراق، وتمدّد عبر الكارثة السوريّة. الحسم العسكريّ غير المؤطّر في رؤيةٍ سياسيّةٍ تعالج كلّ الظروف التي أنتجت الإرهاب في هاتين الدولتين لن ينهي المشكلة.

”القاعدة“ و“داعش“ و“النصرة“ والعشرات غيرها من العصابات الإرهابيّة حصاد فشلٍ سياسيٍّ ثقافيٍّ اجتماعيّ. تلك حقيقة يعرفها الأميركيّون والروس وكذلك العرب من قبلهم.

ويعرف جميع هؤلاء أيضاً أنّ الحرب على الإرهاب لن تُحسم ما لم تشنّ المعركة على كلّ تلك الجبهات. بيد أنّ الحقيقة المؤلمة هي أنّ أحداً ليس بصدد العمل على إطلاق تلك الحرب الشاملة. لذلك سيكون القادم أسوأ. سيحتفل العالم بعد النجاح في تدمير ”دولة الخلافة الداعشيّة“ خلال أشهر. لكنّ ذلك سيكون احتفالاً قصيراً.

ذاك أنّ المنطقة ستغرق في أزماتٍ أصعب. في أحسن الأحوال، سيتقسّم العراق دويلاتٍ عرقيّةٍ ومذهبيّةً. وسينحدر، في أسوئها، نحو حربٍ أهليّةٍ مدمّرة. أما سورية فهي ماضيةٌ نحو قاعٍ أعمق من الانهيار. وسيطال الإرهاب الذي سيترعرع في فوضاهما المنطقة والعالم بدرجةٍ أكبر ممّا نشهده الآن.

إلّا إذا استدركت دول الإقليم والعالم الأوضاع، وانتهجت سياساتٍ تعالج الأزمات من جذورها. وتلك ”إلّا“ كبيرةٌ جدّاً حالمٌ من يعتقد أنّها محتملة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com