الإرهاب في «المدينة».. والمنبع في الرقة

الإرهاب في «المدينة».. والمنبع في الرقة

 سلمان الدوسري

«أسباب عدم تعرض ألمانيا لعمليات إرهابية يعود لعاملين؛ التعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الصديقة، والحظ»، هذا ما قاله مدير الأمن الألماني في معرض توقعه تصدير الإرهاب إلى أوروبا.

 

فعلاً لا أحد يمكن أن يتنبأ بعد تفجيرات تركيا والسعودية الأخيرة، أين ستكون العملية التالية.. برج إيفل.. البرلمان البريطاني.. سواحل إسبانيا.. قلب ميونيخ، أو ربما هناك على الأراضي الأسترالية؟ كل المناطق المفتوحة متاحة أمام الإرهاب الأسود.

 

من المستحيل على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وحدها، الحد من تغلغل أفراد التنظيم بين الناس العاديين وقتلهم وترويعهم، ما دام المنبع لا يزال مفتوحًا على مصراعيه للتخطيط والإشراف والتنسيق والاستقبال.

 

وعلى الرغم من الضربات التي تُشنُّ على التنظيم في معقله بالعراق وسوريا، فإن «داعش» مستمر في توجيه المتطرفين المنفردين أو من يطلق عليهم الغرب «الذئاب المنفردة»، وحتى من دون أن يوجههم، فمناصروه يرون تنظيمهم «دولة» لها أراضيها وعاصمتها، ومهما سعت الدول لإيقاف الموجة الإرهابية التي زاد سعيرها مؤخرًا، فإنها قد تكون قادرة على الحدّ من العمليات الإرهابية، لا استئصالها كليًّا.

نتذكر جميعًا كيف أن تجربة استيطان «القاعدة» في أفغانستان، كانت خلف انتشار سرطان إرهاب التنظيم حول العالم، وعندما تكاتف العالم لتوجيه الضربات له في معقله في تورا بورا، شاهدنا انعكاس ذلك على النشاط المحموم لعملياته التي تراجعت كثيرًا، وأصبحت لا تقارن بما كانت عليه سابقًا.

صحيح أن التنظيم في أعقاب الخروج من أفغانستان، لجأ وحلفاؤه إلى الإنترنت، هربًا من حالة التحفز الدولي ضده، واستطاع تكوين حاضنة شعبية في بلدان عدة عبر الفضاء الواسع، غير أنه لم يعد يستطيع الاستفادة من الدعم اللوجيستي الكبير في التدريب والتجهيز الذي توفره الأراضي الأفغانية الشاسعة.

 

لذا، فإن إرهاب «داعش» لا يمكن ضربه في مقتل، ما دام العالم غير متفق على الآلية التي يحارب بها التنظيم في معقله، وهو ما يسمح له بالاستمرار في الإمعان في التطرف دون أي سقف أعلى، وحسنًا فعلت السعودية بالدعوة لمشاركة قواتها البرية في مكافحة «داعش» في سوريا، وهو ما يرمي الكرة في ملعب الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بأن الرياض فعلت وتفعل كل ما في وسعها ولا يمكن لومها بعد ذلك، بينما غيرها ما بين متفرج ومتحفظ ومستفيد!

 

مع بداية نشوء «داعش» عندما كان جماعة إرهابية صغيرة وجدت لها منطلقًا من الأراضي السورية، حذرت دول المنطقة، وعلى رأسها السعودية، من الخطر القادم تحت مظلة هذه الجماعات، وأنها ستتعاظم وتتكاثر إن لم تحارب بشكل جدي وسريع، كان ذلك قبل أن يقوم «داعش» بعملية إرهابية واحدة على الأراضي السعودية.

 

ما حدث أن دول العالم؛ الولايات المتحدة بتعبير أدق، لم تأخذ التحذيرات بجدية كافية، وفضلت سياسة «اضرب الظالمين بالظالمين»، أي اترك الجماعات الإرهابية يأكل بعضها بعضا، حتى صحت فجأة على أخطر وأشرس تنظيم إرهابي عرفه التاريخ، وليت الأمور توقفت عند هذا الحد، بل حتى بعد أن فوجئ العالم بخطورته وانتشرت عملياته في أصقاع الأرض، لا تزال الدول الكبرى لا تتوافق تصريحاتها مع أفعالها، فمثلاً تقدّم أكبر دولة في العالم قَدمًا، وتأخر أخرى..

 

الرئيس الأميركي أوباما يرفض مشاركة قوات برية، كما أعلنها في قمة العشرين في تركيا بقوله: «من الخطأ إرسال قوات برية لمحاربة (داعش)، وإرسال 50 ألف جندي إلى سوريا لن يحل المشكلة»، بينما وزير دفاعه آشتون كارتر يرحب، أما وزير خارجيته جون كيري فمتحفظ. عليكم بالخروج بالحصيلة النهائية من هذه التركيبة الأميركية العجيبة.

 

بقي أن نشير أن استهداف «داعش» أقدس بقاع الأرض، ثاني الحرمين الشريفين، المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، سبب كاف ليتيقّن الغرب، ولا أقول «المسلمين» باعتبارهم يعرفون ذلك جيدًا، أن التنظيم أشد عداوة وبغضا للإسلام من بين كل الجماعات والدول على مرّ التاريخ، وأن السعودية، تحديدًا، أكثر من تضرر من إرهاب «داعش».. أليس هو من يكفرها حكومة وشعبًا؟!

 

إذا أرادوا نجاح الحرب ضد إرهاب «داعش» وكوارثه، فليتوقفوا عن ترويج وترديد تلك الجملة المسمومة: التنظيم نبتة سعودية.. التنظيم يستلهم أفكارا إسلامية.

 

لقد دكّ التنظيم أربع مدن إسلامية في شهر مبارك لديهم، فأنى لهذا التنظيم المتطرف أن يستوحي أفكارا يقولون عنها إنها إسلامية؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com