كوابيس الخروج البريطاني

كوابيس الخروج البريطاني

حازم صاغية

كان واضحاً منذ البدايات الأولى لطرح مسألة الاستفتاء البريطانيّ أن العالم كله مشغول، بل مهموم به، تبعاً لشعوره العميق أنّ بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه مسألة تتجاوزها وتتعدى حدودها، بل تتجاوز أوروبا نفسها وتتعدّاها.

رؤساء الدول الغربية ووزراؤها وبعض قادتها العسكريين والأمنيّين ضمّوا أصواتهم إلى أصوات مثقفيها وصحافييها ومديري مصارفها وشركاتها ونواديها الرياضية بهدف التحذير من الآثار السلبية للانفصال عن أوروبا. ومع هذا قررت بريطانيا «الجزيريّة» أن تمضي في طريقها المخالف لما شاءه لها العالم. أمّا الذين فرضوا هذه الوجهة فيمكن وصفهم بملامح سوسيولوجيّة محددة: أبناء البلدات الريفيّة، ولاسيما في منطقة الوسط، وكبار السنّ، والأقلّ تأهيلاً لزمن العولمة، والخائفون من اللجوء والتقدم التقني والاتفاقات التجارية الدولية.

وركوب أكثريّة البريطانيّين رؤوسهم على هذا النحو ستترتّب عليه نتائج وآثار تبدأ باحتمالات تصدّع المشروع الأوروبي نفسه، الذي انضمّ إليه البريطانيون منذ السبعينيات. ذاك أن قادة الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بادروا، بمجرد ظهور نتائج الاستفتاء البريطاني، إلى الدعوة لإجراء استفتاءات مماثلة في بلدانهم تضمن لها «الاستقلال» عن «الاحتلال الأوروبي».

لكن بريطانيا نفسها قد لا تكون بمأمن من احتمالات التصدع. والحال أن اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، اللتين صوتت أكثريتهما السكانية لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، مرشحتان لإجراء استفتاءين مشابهين للاستفتاء البريطاني قد يفضيان إلى انسحابهما من بريطانيا، وهو ما قد يصّح في ويلز أيضاً. ذاك أنّ تلك الأمم التي لا تعوزها المشاعر القومية والانفصالية لن تحتمل «الاستفراد الإنجليزي» بها بعد تعطيل الأثر الأوروبي المقابل والموازن. وهي تفضل، والحال هذه، الارتباط المباشر بأوروبا التي يفرّ منها الإنجليز.

كذلك لابدّ لنتائج الاستفتاء الأخير أن تصدع العلاقات الأطلسية، أو تضعفها في أحسن الأحوال. ذاك أنّ هذه العلاقات استقرّت، منذ السبعينيات، على واقع أن بريطانيا جسر التواصل بين الولايات المتحدة والضفة الأوروبية للأطلسي. وانهيار دور الوسيط تالياً لابد أن يؤثر سلباً على مجمل البناء الاستراتيجي هذا. وهنا يمكن الوقوع على أسباب ارتياح المرشح الأميركي للرئاسة دونالد ترامب لنتيجة الاستفتاء، وهو الذي سبق له أن دعا إلى التخلّص من الحلف الأطلسي نفسه. والأمر ذاته يمكن قوله عن فرح الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين بنتيجة الاستفتاء إذ يتأدّى عنها إضعاف الدول الغربية وتحالفها.

لكن ما هو أبعد أن ضمور المشروع الأوروبي سيضعف بالتأكيد القبضة التي ضمنت السلم الأوروبي لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد يفاقم التوتر بين بعض البلدان الأوروبية التي لم تتخلص تماماً من رواسب أحقادها التاريخية، أو لم تستكمل حل جميع إشكالاتها الحدودية. ومثلما يهدد هذا الواقع الجديد بإحداث تغييرات في علاقات الدول في ما بينها، فإن الاستفتاء نفسه كان تجربة أخرى فاقت مثيلاتها السابقة أهمية عن تغير منطق النظام الحزبي المعمول به. ففي بريطانيا، وحيال قضية بالغة المصيرية، لم يكن الانقسام بين محافظين وعمّال، أو بين يمين ويسار، بل كان بين فريق راغب في أن يبقى في الاتحاد الأوروبي وفريق ينوي مغادرته، وفي كل من الفريقين المتنازعين محافظون وعمال ويمينيون ويساريون.

وبالتأكيد وفر الاستفتاء زخماً ملحوظاً لليمين القومي الأوروبي، وقوّى فرصة دونالد ترامب في الوصول إلى الرئاسة الأميركية. أما في أوروبا تحديداً، وخصوصاً في بلدان كفرنسا وهولندا وسويسرا والسويد والنمسا، فيُرجَح أن تنطلق وجهة حادة في عدائها للهجرة واللجوء، وتحميل اللاجئين مسؤولية الأزمات الاقتصادية، فضلاً عن الإرهاب. وهذا جميعاً يشجع على افتراض صورة أسوأ لعالمنا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة