رسالة إلى بيتهوفن!

رسالة إلى بيتهوفن!

نجم عبد الكريم

بكل أسفٍ وحسرة أكتب إليك من منطقة تآمر الجهل عليك فيها فعُرفت اسماً وجُهلت مضموناً، لأن المنطقة بأسرها تعرضت لتخريب الذائقة الفنية الراقية، إلا ما ندر!

فأنت يا سيدي: تُشكل علامة بارزة منذ قرون في العالم الذي ارتقى بهذه الذائقة لتغدو -يا بيتهوفن- أيقونة الدهر الإبداعية في عالم الموسيقى منذ بدء الخليقة!

• وأنا أحد الذين كلما ادلهمّت عليهم الخطوب – وما أكثرها! – لجأت إليك لأدفن همومي وأحزاني على ترانيمك المتنوعة، سيمفونية، كونشرتو، سوناتا… إلخ.

ولأنك ملاذي في الهموم عكفت منذ القديم على دراسة قصة حياتك المأساوية التي سأقدم القليل القليل منها لقرائي من خلال مخاطبتك!

• فأنت -يا لودفيك- وُلدت بطبيعة نارية! وُلدت بنفس حساسة سريعة النفور… ووضعت عقلك وقلبك في أصدق وسيلة تخترق الوجدان والأحاسيس والمشاعر الإنسانية… يدرك كلامي عُشاق فنك!

كنت في سنوات شبابك الأولى تتمتع بقوة سمع خارقة حين كنت تخرج إلى الغابة القريبة من قريتك تُصغي بالساعات إلى صوت الطبيعة، وتلتقط منها آلاف الأصوات المتناغمة، والتي امتزجت بشرايينك وترجمتها كأنغام لملايين البشر… ترانيمك الإعجازية تطهر وجدان سامعها حتى لو كان من أعتى العتاة، كنت تختزن صوراً حسية لصوت أوراق الشجر، وغضب الريح وعصفها بالأغصان التي تئن وتشكو، كنت تكتب نوتتك الذهنية لأصوات الطيور بكل أنواعها الحافل منها بالشجن، والراقص بالبهجة، كان خرير الماء في الغدير يُطبَع على سمعك، أما سقوط المطر فقد كنت -يا بيتهوفن- تميز القطرة التي تداعب ورقة الشجر وترقد عليها معبرة عن شوق طال انتظاره!

تفاصيل هذه الجزئيات وغيرها يستشعرها من لديه ذائقة لعطاءاتك منذ سيمفونيتك الأولى حتى التاسعة، إلى أن أخرجت عالم الموسيقى من كلاسيكيته النمطية لتؤسس الرومانسية التي تُوجت ملكاً عليها!

• لا أريد الوقوف أمام الكارثة التي داهمتك يوم تعرضت للصمم، لكني سأقف قليلاً أمام عزة نفسك وكبريائك واحترامك لقدراتك الإبداعية يوم قال لك الكونت استراهازي:

– أيها العظيم بيتهوفن اطلب المبلغ الذي تريد لتكون في قصري…

فكان ردك:

– كثيرون من أمراء ألمانيا طلبوا مني ذلك، لكن هذا لا يعطي الحق لأي إنسان أن يرغمني على العزف أمام أناس لا يستحقون أن يسمعوا بيتهوفن لأنهم يملكون المال!

• ما أروعك أيها المغولي، كما أطلق عليك هايدن!

وجوته عظيم ألمانيا الكبير كان يعشقك وطلب صداقتك صراحةً في رسالة: ”ماذا لو تقابلنا في قرية فيها حمامات معدنية لعلاج الأمراض؟!“.

فشعرت أنه يشير إلى عاهة صممك فكتبت إليه:

”جوته أنت تحمل لقب أمير ولم تصنع لكسب هذا اللقب أي شيء، أما أنا فرجل أصم، ونلت لقبي كأمير للموسيقى بألحاني!

عزيزي جوته، في ألمانيا آلاف الأمراء لكن لا يوجد إلا بيتهوفن واحد“!.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة