الوحدة أرقى من عقل الجماهير

الوحدة أرقى من عقل الجماهير

سمير عطالله

صنعت أوروبا أكبر مآسي التاريخ، فوق اراضيها وعبر البحار. ظلت طوال الف عام تدمّر بعضها البعض، غالباً لأسباب شوفينية أو سطحية. وختمت مساحات الدماء والخراب بحربين عالميّتين، أنهت آخرهما النظام العالمي القديم، وباشرت تصفية الامبراطوريات الماضية، ووزعت التركة برمّتها على قوتين طاغيتين، الأولى رأسمالية، والثانية اشتراكية.

بعد الحرب الثانية أخذت أوروبا تعيد النظر في كل شيء: العداوات القبلية التافهة، وضرر الحدود المقفلة، وتضارب الثقافات الفرعية. وبعد 13 عاماً على 1945، بدأ كبار الاقتصاديين طرح فوائد الوحدة ونزع آخر نوازع العسكريتاريا وجموح الغرائز.

اكتشفت أوروبا للمرة الأولى في تاريخها شيئاً يسمّى الطمأنينة. وخرجت من سباق التسلح الهائل لتدخل السباق الصناعي، وقهر البطالة، وتعميم الضمانات الإنسانية، كالعلاج والتقاعد وصون كرامة الشيخوخة. وانتشرت الآداب والفنون المعادية للحرب. وتصدر الحملة برتراند راسل، وجان – بول سارتر، والبير كامو، وغونتر غراس، الذين سيحصدون نوبل على دعواهم لرفض العبث البشري والنزوع إلى التوحش.

دخلت أوروبا مرحلة أخرى بعد انهيار السوفيات. فقد عادت المانيا دولة واحدة، وفُتح باب الوحدة أمام اوروبا الشرقية، وازدهرت القارة. ونَزَعت معالم الحدود، وتخلّت عن صور الامجاد على عملاتها، فلا فرنك ولا مارك ولا بيزيتا. لكن البريطانيين تمسكوا بالجنيه، حتى آخر مرحلة من مراحل الدمج الوحدوي. فمن يدري. فربما تعثرت الوحدة الزاهية وانتكست الأحلام والأعلام. أُبقي باب الخروج مفتوحاً، للحالات الطارئة.

من العبث أن تُبدّد تماماً مخاوف الجزر. فهي تعطي لنفسها الحق في استعمار ثلاثة أرباع العالم، ولكن عندما تشعر بالخطر، يقف عجوزها تشرشل صارخاً، سوف ندافع عن الشواطىء! في الستينات، منع ديغول دخول بريطانيا السوق المشتركة، بدعوى أنها ليست حقاً اوروبية. الآن تردَّ الجزر البريطانية، او المملكة المتحدة، أو بريطانيا العظمى، القفاز إلى البر الاوروبي. خذوهما: وحدتكم وقارتكم.

حدث عالمي محزن. اياك أن تترك المصائر العامة لقرارات العامة. فالدهماء قد تُسقِط ديغول وتنتخب بيار بوجاد. اسقطت من قبل تشرشل، وحملت موسوليني على الاكتاف، ثم علقته من ساقيه. هذه القضايا الشديدة التشابك، لا تسلّم إلى تشابك الاهواء والأمزجة. الناس لا تطيق فكرة الخروج من ذواتها واشيائها الصغيرة. سرعان ما خرجت سلوفاكيا من تشيكيا. وسرعان ما قررت العجرفة الكاتالونية الخروج من اسبانيا. وعاد الباسك يدقون أبواب العزلة. وتحركت في بلجيكا عصائب اللغة والأمكنة. واسكوتلندا وويلز. وكورسيكا جزيرة نابوليون. الإنسان عدو الوحدة. عدو جاره. لأن التواريخ المشتركة خناقات مشتركة ورواسب ضحالات.

التصويت على خروج بريطانيا من القارة كان ذروة الممارسة الديموقراطية، إذ كان الاستفتاء فردياً – لا حزبياً. وسمح ديفيد كاميرون لبعض أركان حزبه بالخروج عليه، وكان الاقبال على ابداء المواقف قياسياً، مما شق بريطانيا قسمين شبه متساويين. ولكن ما نفع الديموقراطية إذا كانت باباً للمجهول والخوف والانفعالات والانعكاسات البعيدة الاتساع والعمق؟

في هذا الإطار، المقترع البريطاني هو أيضاً مقترع أوروبي. وقد فتح باب الخروج للجميع، على قول الفرد دوفييني الشهير، “الباب إما أن يٌفتح وإما أن يُغلق”. الديموقراطية محنة عندما تؤدّي إلى اختيار الخواء والفوضى.

وواضح أن ظاهرة ترامب تجد لنفسها مزاجاً مُرحَّباً حول العالم. وخصوصاً بين القوى الشوفينية والقومية والعنصرية التي كان منشأها أوروبا. ويجب ألا يغيب عن بال أحد أن أحد بنود دعاة الخروج كان الخوف من ضم تركيا إلى الاتحاد. وهو استجابة واضحة لدعوة ترامب إلى “منع المسلمين من دخول اميركا”. ولذا، كان هو أول المرحبين بهزيمة فريق البقاء، لأن ذلك يردد صدى الموجة العارمة، في الغرب وفي روسيا، ضد “الخطر الاسلامي الماثل”.

وقد استجابت لخطاب ترامب، أو سبقته، احزاب اليمين الأوروبي جميعها، وكاد بعضها يصل إلى الحكم. ولو حدث ذلك في أي دولة رئيسية، لوقع العالم في كارثة كتلك التي سبقت الحرب العالمية الثانية، عندما أصيبت أوروبا بسعار البراكين، واسكتت الأصوات العاقلة، وتحولت الشعوب إلى ميليشيات، والافكار إلى عبيد، وتوزعت آلهة الخوف على المخادع والمقاهي والجامعات.

المشكلة في انفصال بريطانيا أنها نموذج حضاري، وليست نموذجاً عادياً. وسوف يشكل ذلك ذريعة للنفوس الملتهبة في كل مكان. ويزيد زعزعة صورة الضعف المهيمن على القوى التي تكوّن حالة الصمود السياسي والاجتماعي. ثمة خوف يلف القارة بكل وضوح، تراه في حركة الشانزيليزيه اليومية وفي اجراءات الأمن الخفي في “البارك لين”، وفي موقف الصحف من السلطان التركي الذي يريد أن يغير القوانين الاوروبية مثل تغييرها في ساحة “تقسيم”.

ولكن عندما تخاف أوروبا حقاً، فالخوف ليس من “الذئاب المنفردة”، بل من رواسبها التاريخية التي يمكن أن تتحول، في لحظة، إلى “قمصان بنيّة” ونزاعات اهلية وبروباغاندا من الحقد والكره التي لا مثيل لها، وليس “الذئاب المنفردة” وإنما الذئاب الجماعية التي لا تسمع سوى صوت غضبها وترى كل من حولها أغناماً خُلقت فقط من أجل أن تؤكل.

ثمة نوع من أعراض الجنون الجماهيري في تصويت الخروح. فأوروبا كانت الحل الأقرب إلى المثالية بالنسبة إلى دولة متعددة النسيج مثل بريطانيا. الأدب “الانكليزي” معظمه، وأهمه، ايرلندي. والفكر “الانكليزي” في عصر النهضة، من ديفيد هيوم إلى آدم سميث، اسكوتلندي. ولندن اليوم هي المدينة الأقرب إلى تسمية “عاصمة العالم” وملتقى الثقافات واقتصادات الأمم، وهي التي انتخبت، قبل أسابيع قليلة، عمدة من أصل باكستاني، مكان عمدتها السابق بوريس جونسون، الذي تزعم حركة الخروج، أو بالأحرى العزلة، تلك المقامرة الجماعية في دروب المجهول والتراجع.

قال نادل “بَب” في شمال لندن: “لقد أفسدنا على أنفسنا أفضل لعبة لدينا بعد الكريكت والكرة، وهي التلذذ بأن الاميركيين أكثر غباوة منا. لقد اثبتنا أننا أكثر غباوة منهم. إلا إذا عادوا واستردوا مرتبتهم في تشرين الثاني بالاقتراع لترامب”.

لقد تقدم العالم نحو مستويات أرقى مع المتحد الاوروبي. تولت الدول الأكثر غنى دعم الدول الأكثر فقراً. وانتقل البريطانيون إلى الحياة في الشمس، بينما جاء الاوروبيون الجدد من بلاد البلطيق وبولونيا وتشيكيا، إلى العمل في بلاد الضباب والشتاء الطويل. وعندما أذهب إلى عيادة في اسبانيا، اكتشف ان معظم الأطباء المان، تعرف ذلك من مهارتهم ورفضهم التبسم. الاسارير المنفرجة تحط من قدر الرجال!

لم تحل الوحدة الاوروبية مشكلة الفقر تماماً، لكنها حلّت، إلى حد بعيد، مشاكل الطبقية والعنصرية والعرقية. ولم تعد العيون الزرقاء والبشرة البيضاء مقياس أي تفوق. فالثروات الكبرى في بريطانيا هندية، والتكنولوجيا هندية إلى حد بعيد، وفيما تستحوذ قطر على الجواهر التجارية في التاج البريطاني، يتقدم مجدي يعقوب عالم الطب. إنه ممنوع من العمل فقط في أسوان، حيث اعترض “الاخوان” على المستشفى المجاني الذي أقامه، باعتباره قبطياً.

لقد رأيت في انتخاب باكستاني عمدة لندن، خطوة، نتعلم نحن منها في عالمنا المتداعي تحت انهيارات الانحطاط الإنساني. يزرع مجدي يعقوب القلوب للمحتاجين اليها، من دون معرفة مسبقة باللون أو الدين. وقد خصص جزءاً واسعاً من أعماله لاثيوبيا الجائعة، حيث لا فرق إن كان منقذ القلب قبطياً ام اخونجياً.

قام النموذج البريطاني بعد نهاية المرحلة الاستعمارية، على السعة. تغزو بريطانيا العالم بأغاني البيتلز و”اديل” ورود ستيوارت وحكايات هاري بوتر، وبدل أن تملأ المحيطات بالاساطيل الضاربة، ترسل إليها “الكوين ماري”، أهم عمارة بحرية مدنية منذ امفيتريت، آلهة البحار، والدلافين المغنية.

لم يدرك انصار الخروج، كم سيكون عالمياً هذا الحدث. فجأة شعر الناس حول العالم أن العولمة لم تعد مجرد موضوع يستخدمه الدارسون والاحصائيون. إذا فاز ترامب غداً سوف يتحول الخطاب السياسي حول العالم إلى حكي ازقة وكلام شوارع. ولا يمكن الدفاع عن القيم بالتعابير السوقية والاخلاق السوقية. فشلت “اللغا اللبنانيي” في التحول إلى لغة مكتوبة، لأنها أعجز من ان تعبر عن مناحي الفكر. انها قاموس محدود لتعابير ضيقة. وقد خرج منها سعيد عقل خفية لئلا يضطر إلى اعلان نعيها بالفصحى.

الفصحى هنا ليس بالتزمت، وإنما بالسعة. وإلا غرق العالم في لغة ترامب والخواء الثقافي واستسهال التعابير الشارعية، باعتبارها وسيلة سهلة ورخيصة لمخاطبة أهل الشارع. سوف يفسد ترامب، إذا فاز، الذوق السياسي حول العالم. وسوف يقتدي به الذين يرون في التأدب والتهذيب جهداً مُتعباً لا ضرورة له. فكل ما عليك أن تفعل هو ان تشتم خصمك وأن تحقِّره، وليس عليك أن تثبت انك فعلت شيئاً ايجابياً واحداً طوال حياتك: زعقت وشتمت، وهذا هو برنامجي. فريق يبني وفريق يهدم. الذين بنوا أوروبا كانوا عباقرتها. والذين بنوا دور بريطانيا فيها كانوا عباقرة بريطانيا. كل زمن عصر له علامات.

وفي هذا الزمن جدد الايطاليون مرتين لسيلفيو برلوسكوني. ورشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، برج ابراج الخفة والقحة والخواء الإنساني. العياذ بالله من تشرين الثاني، شهر الرئيس الذي يُنتخب عندهم، والرئيس الذي لا يُنتخب عندنا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع