الشباب وثقافة الحياة

الشباب وثقافة الحياة

عبد الحميد الأنصاري

من الأقوال البليغة لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قوله: «إن عجلة الحياة ومسيرة البناء والتقدم لن تقفا مكتوفتي الأيدي أمام التحديات المحيطة بالمنطقة، لأن الحياة يجب أن تستمر، وهذا قدرنا في دولة الإمارات أن نبني ونرسخ ثقافة حب الحياة ومواجهة التحديات».

إن إسلامنا مع «ثقافة حب الحياة» وضد «ثقافة الموت»، وديننا دين الفرح والبهجة والمحبة والتسامح وبذر الخير وإسعاد الناس ومساعدتهم، ديننا دين الاستمتاع بالحياة ونعمها، وشكر المنعم تعالى على نعمه وعطاياه التي لا تعد ولا تحصى «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً»، وهو القائل جل وعلا: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» وإسلامنا مع رفع الحرج والعنت، ومع التيسير والتخفيف وإعذار الناس: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»، ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، بعث رحمة للعالمين وبشارة للناس كافة.

«ثقافة حب الحياة» تعني حب الخير والتسامح والتعايش والحوار البناء وقبول الآخر ونشر القيم الرفيعة والمودة والبر حتى مع المخالفين لنا في الدين والقومية، والإسلام دين التسامح وهو ينبذ العنف والكراهية والتعصب، والبشرية في نظر الإسلام أسرة واحدة، وقد وصف القرآن الكريم الأمة الإسلامية بأنها أمة تدعو للخير والفضيلة وتنشر القيم السامية، ويحفظ التاريخ الإسلامي مواقف مجيدة لتسامح المسلمين مع الأقليات الدينية، ونحن في هذا الشهر الكريم أحوج ما نكون إلى تفعيل هذه القيم في حياتنا، وتجسيدها في مجتمعاتنا، وترسيخها في نفوس ناشئتنا، فهي التي تجلي «إنسانية» إسلامنا وحضارتنا، بعد أن طغى وبغى دعاة «ثقافة الموت» والكراهية، وشوهوا قيم هذا الدين العظيم، وأساؤوا إلى المسلمين، وجعلوا العالم يتوجس من الإسلام والمسلمين.

«ثقافة الموت» هي تلك الثقافة التي تزرع في نفوس شبابنا «كراهية الحياة»، ولا تقيم وزناً لحياة البشر، تسترخص دم الشباب المسلم وتضحي بهم في مشروعات خيالية (استعادة الخلافة وأستاذية العالم) وتزين لهم تفجير أنفسهم تحت شعارات زائفة (الدفاع عن كرامة الأمة) أو مفاهيم دينية مشوهة (الجهاد)! ما أتفه حياة المسلم حينما تتحول إلى «قنبلة بشرية» مدمرة للحياة! «ثقافة الموت» ثقافة تعادي الحياة والأحياء، وتدمر مشاريع البناء والتنمية، وتجر الكوارث على المجتمعات، وتزرع أوهام أننا «أمة مستهدفة» من قبل أعداء وهميين دائمين، وتعادي الانفتاح على ثقافات العالم، والتعاون بين الشعوب.

إن شبابنا الذين اندفعوا إلى الموت -سراعاً- فعلوا ذلك لأننا لم نفلح في جعل الحياة مكاناً محبباً لهم، أخفقت منظومتنا التعليمية والدينية والثقافية في تحبيبهم في الحياة، علمناهم كيف يموتوا في سبيل الله تعالى، ولم نعلمهم كيف يعيشوا ويعمروا وينتجوا ويبنوا ويبدعوا في سبيل الله تعالى! كيف يحب هذا المخلوق البائس الحياة، وهو محاط بمناخ من الغلو والبؤس والكراهية، ومكبل بقائمة محرمات طويلة (الموسيقى والغناء والفنون.. إلخ)، وبوجوب بغض الآخر الديني والمذهبي (عقيدة الولاء والبراء)؟! كيف يعمر وينتج هذا الكائن وهو ملاحق، منذ يوم مولده بتحذيرات طويلة من أعداء ينبغي الحذر منهم، والمنابر ترهبه من عذابات وأهوال، وهيئات تراقبه وتحصي عليه أنفاسه؟! كيف يبدع هذا الإنسان، وهو محاط بجو من الكآبة والتشدد، وبمواقع إلكترونية تحرضه على قتل المثقفين والفنانين والمبدعين؟!

وأخيراً: شبابنا بحاجة إلى ثقافة تحببهم في الحياة، كبرنامج «دروب» لعلي آل سلوم، على قناة أبوظبي، و«قمرة» لأحمد الشقيري، وكتاب «سعوديون في أميركا» لتركي الدخيل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع