إيران وصناعة الولاء الطائفي

إيران وصناعة الولاء الطائفي

محمد خلفان الصوافي

قرار مملكة البحرين بسحب الجنسية عن رجل الدين الشيعي المثير للشغب عيسى قاسم، الأسبوع الماضي، فضح النظام الإيراني في مسألة توظيف رجال الدين الشيعة لخدمة أهدافه من ناحية تمدد نفوذه داخل المجتمعات العربية. وفضحه أيضاً حين أظهر جهل سياسييه بأن قرار مملكة البحرين لم يكن سياسياً أو طائفياً بقدر ما هو حكم قضائي صادر عن المحاكم البحرينية بناءً على مستمسكات وبراهين منها مقاطع فيديو تعود للمتهم، تدينه بتمزيق الوحدة الوطنية في البلاد، وبإساءات طالت رجالاً للأمن، بعضهم من الطائفة الشيعية نفسها.

الخليجيون يعرفون الكثير عن قبح وجه النظام الإيراني وعربدته في المنطقة، لكن ما قام به قادة الحرس الثوري من تهديدات لمملكة البحرين أكد عملياً أن هذا النظام يجهل الكثير من الأعراف الدبلوماسية الدولية القاضية بضرورة التحفظ في التعليق على قرار سيادي صادر في دولة أخرى، بل إن تحويل قرار قضائي إلى «قضية طائفية» ومحاولة تجييش الرأي العام حولها من خلال الاستعانة برجال الدين الشيعة، يؤكد أن الحديث عن «إيران الدولة» مسألة لا زالت مبكرة، وحيث إن الفكر الثوري هو المتحكم في تصرفات قادة نظام الملالي، فإن ذلك يجعل أي كلام عن تحول إيران إلى دولة طبيعية في النظام الدولي محل نقاش وجدل!

ردّ الفعل الإيراني «الغاضب» والمتهور، لم يكن مقصوراً على إيران فقط، ولكنه ألقى بظلاله على دول عربية مسلوبة القرار السياسي فيها، مثل العراق ولبنان، حيث خرجت مظاهرات السخط والتنديد ضد البحرين بعدما دخل رجال الدين وأبدوا تعاطفهم الطائفي، وليس الإنساني، مع المدعو عيسى قاسم، ما ترك قلقاً عند أبناء الخليج العربي من أن يكون أي شيء له علاقة بإيران، حتى ولو كان الاشتراك في المذهب، هو مصدر تهديد وقلق، حيث تسعى إيران منذ زمن إلى التغلغل داخل هذه المجتمعات من خلال النزعة الطائفية.

يئس النظام الإيراني من فشل مشاريعه السياسية في المنطقة، عبرت عنه الأبواق الرسمية، وعلى رأسها قاسم سليماني، الذي كشفت ردود فعله وتهديداته أنه فاقد لأعصابه، ولهذا الأمر تفسيرات كثيرة، ربما أهمها أن حجم الخسارة التي لحقت بإيران بسحب جنسية عيسى قاسم كبيرة، وأنه كان «كنزاً استراتيجياً لإيران» في البحرين، وبالتالي فإن الصراخ دائماً يكون على قدر الألم! كما أن تلك الاندفاعة التي وظفت فيها البعد الديني (أدلجة الخلاف) تؤكد مدى الوقاحة السياسية في تعامل إيران، عندما تعجز عن المواجهة السياسة أو القانونية، فمثل هذه السلوكيات تندرج تحت بند المراهقة السياسية، ولا تعد من السلوكيات الحضارية للدول.

إيران في موقف «اللاتوازن»، ربما بسبب تلقيها ضربات موجعة من دول الجوار التي أفشلت مشاريعها في المنطقة، سواء في اليمن من خلال وقف تمددها هناك، أو من خلال محاصرة «حزب الله» اللبناني سياسياً، أو من خلال قطع الطريق على الخلايا النائمة في الداخل الخليجي، ومثالها عيسى قاسم. وبعد الاتفاقية النووية، فإن انتعاش إيران المغلف بالغرور سبب لها خسارة ثقة المجتمع الدولي بالاستثمار فيها، وبالتالي يبدو النظام الإيراني غير متوازن في مواقفه السياسية.

نجحت السياسات والخطوات العملية الخليجية، والتي كان القرار البحريني واحداً منها، في جعل النظام الإيراني في موقف الدفاع وليس موقف الهجوم الذي اعتاد عليه، ما تطلب من النظام الإيراني البحث عن مداخل أخرى، كان منها استخدام رجال الدين الشيعة في تهييج الشارع العربي (السيستاني والصدر في العراق، و«نصرالله» في لبنان، وعيسى قاسم في البحرين، ونمر النمر في السعودية)، وهو الأمر الذي ينبغي أن يتنبه له المواطنون في دول الخليج العربية، إذ يجب عليهم أن يقدموا ولاءهم الوطني لدولهم وليس للمرجعيات الدينية.

الحكومات الخليجية مضطرة إلى أن تتشدد في مواقفها مع بعض مواطنيها من مثيري الشغب لسببين: الأول، أن الولاء الطائفي الذي تحاول أن تصنعه إيران في المنطقة، أكد أن بعض رجال الدين الشيعة لا يعترفون بالحدود الجغرافية للأوطان، وأن الولاء الوطني كأنه غير موجود أو أنه «يتلاشى» أمام الولاء الطائفي. الثاني، أن ما يقوم به النظام الإيراني أيضاً لا يختلف عما تفعله الميليشيات المتطرفة مثل «داعش» و«الحشد الشعبي»، فهم جميعاً يوظفون النزعة الطائفية في خدمة أهداف سياسية، غير أن ما تتفرد به إيران عنهم أنها تمارس التطرف على مستوى «دولة»!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع