إرهابي يحارب الإرهاب!!

إرهابي يحارب الإرهاب!!

يوسف الحسن

للمرة الأولى، في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، يتم اختيار أكبر منتهك للقانون الدولي، رئيساً للجنة السادسة المكلفة، بمناقشة التدابير والسياسات التي تستهدف محاربة الإرهاب، وقضايا القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك البروتوكولات الملحقة باتفاقية جنيف الرابعة، الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب، والانتهاكات التي ترتكبها الدول.

العالم المعاصر، إزاء واحدة من مفارقات التاريخ المخزية، حينما رشحت مجموعة دول غرب أوروبا، وأستراليا ونيوزيلندا وتركيا (أردوغان) الكيان “الإسرائيلي”، لرئاسة اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

مئة وتسع من دول العالم، صوتت لصالح “إسرائيل”، وخسرت أمامها السويد وإيطاليا واليونان، فهل هناك أي معيار أخلاقي أو موضوعي، وراء هذا التصويت الشائن؟

كيف يتولى إرهابي أصيل ومعلن، فاشي وسارق حقوق، وقوة احتلالية عسكرية عنصرية، خرقت وتخرق القانون الدولي الإنساني، لأكثر من سبعة عقود، وتتعامل مع منظومة حقوق الإنسان، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وكافة المنظمات الأممية والإقليمية، باستخفاف وازدراء، كيف يتولى هذا الكيان، رئاسة لجنة مكلفة بمحاربة الإرهاب، وهو نفسه قوة احتلال، وتطهير عرقي والندبة الاستعمارية المقززة الأخيرة، المتبقية على جبين كوكب الأرض؟

كيف تكافئ هذه الدول، كياناً يمارس الإرهاب والعنف علناً، ضد شعب يخضع للاحتلال، ويسرق الأراضي والمياه والموارد، ويهدم المنازل، ويدمر منشآت ومشاريع حيوية مموّلة من الاتحاد الأوروبي، ويسن القوانين والتشريعات العنصرية، ويُقنِّن سياسات الاغتيالات، في داخل فلسطين المحتلة وخارجها؟

كيف تكافئ هذه الدول، “دولة”، قادتها ومؤسسوها فجروا أسواقاً مأهولة، في حيفا والقدس ويافا، واغتالوا الوسيط الدولي الكونت برنادوت في القدس، في سبتمبر 1948، بسبب صياغته تقريراً موجهاً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يدين فيه «إسرائيل»؟

إنه عار على المنظمة الدولية. أن تعطي هذه “الدولة” المارقة، هذا الدور الرمزي والإجرائي، في الشؤون الروتينية في الأمم المتحدة، وبخاصة إنها لا تمتثل لقرارات المنظمة الدولية، ولا تحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

نعم – إن صورة الأمم المتحدة هذه الأيام، في أسوأ حالاتها، وكذلك صدقيتها، وحال الضمير الأخلاقي لدول يفترض أنها تملك ضميراً شجاعآً وحياً.. ولا يتعارض مع مبدأ النوايا الحسنة.

يحدثنا التاريخ عن لصوص وقاطعي طرق وقتلة، استعان بهم زعماء ودول، لمواجهة لصوص مثلهم، وتحضرني الذاكرة، أن الخليفة المعتضد «بالله» في بغداد، استعان بكبير اللصوص والعيارين وعينه قائداً للشرطة، باعتبار أنه الأكثر معرفة ودراية باللصوص وبأساليبهم.

وقد ظهر (العيَّارون) في القرن التاسع الميلادي، وتواصلت هذه الظاهرة الإرهابية، حتى القرن الثاني عشر، وقطعوا الطرق علانية، وآذوا الناس، وهدموا المساكن وأرهبوا بغداد وجوارها، وسرقوا الأموال.. إلخ.

ويبدو أن “إسرائيل”، برئاستها للجنة قانونية تتعامل مع التدابير التي تستهدف الإرهاب، تشبه ذلك الحاوي الذكي، الذي اختار لصاً إرهابياً لمحاربة لصوص وقتلة ومجرمين آثمين أوباش، وحينما سئل هذا اللص (رئيس اللجنة السادسة) عما إذا كان يسرق ويقتل ليلاً، قال شعراً، معاذ الله أن أسرق بليل ولكني أجاهر بالنهار.

“إسرائيل”.. المنتسبة إلى هذه الجماعات الإرهابية، تبدو لي، وقد شدت خصرها بحزام هذه الجماعات الآثمة، وشربت معها كأساً من الماء المملح وأكلت معها خبزاً، لأن “العيش والملح”، في الموروثات الشعبية، يوحي بالمؤاكلة والمراضعة والصحبة، والاتفاق على تدمير الأوطان وإشاعة الخراب والاحتراب.

إرهابي يحارب الإرهاب،.. اختيار فج مضاد للسلم والأمن الدوليين.. وللتاريخ أيضاً.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع