الرهان على انهيارٍ أوروبي!

الرهان على انهيارٍ أوروبي!

عبد الوهاب بدرخان

ساعات قليلة بعد إعلان خيار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي اتخذت الصدمة معظم أبعادها، وستتضح الصورة أكثر يوماً بعد آخر، وطوال المرحلة المقبلة. خيضت حملة البقاء مع أوروبا بحصيلة لا يمكن الدفاع عنها، فالأرياف والقوى العاملة والطبقات غير الميسورة تحمّل العضوية البريطانية في الاتحاد الأوروبي مسؤولية كل عوامل التراجع والإخفاق في أوضاعهم الاقتصادية. لذلك جاء تصويتها لمصلحة المغادرة إعلان عدم ثقة بالحزبين الرئيسين وبطواقم السياسيين الذين تناوبوا على الحكومات منذ نحو عقدين ونيّف. أما حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي فاستندت إلى الفكرة المتوارثة عن «بريطانيا العظمى» في عالم تغيّر على نحوٍ قد لا تكون إعادته إلى الوراء خياراً متاحاً أو ممكناً. صحيح أن الخيار الذي حُسم في صناديق الاقتراع لا يرمي إلى انكفاء بريطانيا وتقوقعها، بل على العكس، غير أن الممارسة المنفردة للانفتاح خارج إطار التكتّل الاقتصادي الأكبر في العالم قد لا تعود على بريطانيا بالنتائج التي تصوّرها قادة حملة المغادرة.

لم تنتظر التوقّعات السلبية التي استبقت الاستفتاء، بل قفزت فوراً إلى الواجهة. فعلى الصعيد الداخلي أنهى الجنيه الاسترليني تذبذبات الأسابيع الماضية ليهبط إلى أدنى مستوى، وهو ليس مجرد هبوط آني أو رد فعل «نفسي» للأسواق، بل الأرجح أنه فقد لتوّه نسبة مهمّة من قيمته، وهو أحد عوامل الافتخار الوطني البريطاني. أما الاقتصاد البريطاني فسيدخل نفقاً مظلماً لفترة زمنية غير محدّدة، ففي المرحلة الانتقالية التي ستمتدّ لسنتين سيصعب وضع سياسات مالية يمكن التحكّم بنتائجها نظراً إلى تقلبات مرتقبة وإلى اهتزاز متوقّع لمكانة لندن كعاصمة مالية ثانية بعد نيويورك، ومن جهة أخرى عادت الشكوك أقوى هذه المرّة في إمكان استمرار المملكة المتحدة متحدةً فعلاً إذ صوّتت اسكتلندا للبقاء في الاتحاد الأوروبي لكن خروج بريطانيا بدّل الظروف التي أجري فيها الاستفتاء على الاستقلال العام 2014 ما يدفعها للتلويح باستفتاء آخر قد ينتهي بسحب مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد البريطاني، وحتى أيرلندا الشمالية التي اختارت أيضاً «البقاء» مع أوروبا تطرح الآن استفهامات عن المغزى المستقبلي لبقائها ككيان ملحق بالمملكة والجدوى المحتملة من الانضمام إلى جمهورية أيرلندا، وبالتالي توحيد الجزيرة. والأكيد أن المصوّتين لـ«الخروج» لم يتوقفوا عند تداعياته الاقتصادية والسياسية والكيانية.

أما الانعكاسات الخارجية فلم تتأخر بدورها، ولعل الدرس الأول للخيار البريطاني هو للاتحاد الأوروبي نفسه، فلا شك أن توسيع عضويته إلى ثمان وعشرين دولة، واحتمال ضمّ خمس دول أخرى بينها تركيا، جعله أشبه بآلة بيروقراطية ثقيلة الحركة، ورتّب عليه في الأعوام الأخيرة أكلافاً باهظة لإنقاذ اليونان من الإفلاس أو مساعدة دول أخرى كالبرتغال وإيطاليا وغيرهما على مواجهة أزماتها المالية، ثم إن نظام العملة الموحّدة (اليورو) لم يثبت جدواه في دول لم يعنِ ضمّها إلى الاتحاد أنها كانت قادرة على الانسجام مع المستوى المعيشي والاقتصادي الذي أدركته دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. لذلك انقسمت الدول الأوروبية بين مجتمعات تشعر شعوبها بأن اقتصادها تأذّى ولم تحقق الفائدة المتوخّاة من الانضمام للاتحاد، ومجتمعات تشعر بأن رفاهيتها تتراجع فيما يُنفَق جانب من ناتجها القومي على شعوب أخرى. وهذا ما قرّر البريطانيون التخلّص منه، وفيما حرص اليمين المتطرّف البريطاني على إضفاء ألوان «التمرّد على دكتاتورية بروكسيل» وشعارات «استعادة الاستقلال والسيادة» على حملته، فإنه خاطب التيارات المتشدّدة الأوروبية وأوحى لها أيضاً بخوض معركتها لـ«الخروج». وهذا أخشى ما كان الاتحاد يخشاه فعلاً من الخيار البريطاني، لكن ليست الدول الأخرى قادرة جميعاً على الحذو حذو بريطانيا.

ثمة اتجاهان خطيران برزا في خطاب الخارجين من أوروبا. يتمثّل الأول في اعتقادهم بأن نجاح رهاناتهم يتوقف على انهيار الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ لن يستطيعوا تحقيق وعودهم الاقتصادية في وضعية منافسة معه، خاصة إذا استطاع الصمود والبقاء ليمثّل سوقاً كبيرة وبديلاً جاهزاً لاجتذاب الرساميل والاستثمارات. وليس سرّاً أن فرنسا وألمانيا رصدتا إمكانات للاستفادة من خروج بريطانيا بشرط أن تتمكّنا من إصلاح الاتحاد الأوروبي وتثبيت وجوده. أما الاتجاه الآخر فهو أن بريطانيي «الخروج» يراهنون أيضاً على أن موجة صعود اليمين المتشدّد في العالم الغربي قد تُتوّج بانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. ومع أن هذا الاحتمال يبدو الآن ضعيفاً، فقد تأتي الشهور المقبلة ومجريات الحملة الانتخابية بـ«الصدمة» التالية، الأميركية، بعد الصدمة البريطانية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع